د. علي آل فرحان

لماذا الصمت العقابي مؤلم في العلاقة؟

متى يكون الصمت استراحة ومتى يصبح عقاباً؟ قراءة نفسية وسيكودينامية لألم التجاهل وحدود التعامل معه، مع مثال توضيحي ومراجع علمية.

لماذا الصمت العقابي مؤلم في العلاقة؟

قد يكون شريكك في الغرفة نفسها، ومع ذلك تشعر أنك لا تستطيع الوصول إليه.

تسأله سؤالاً فيتجاهله. تحاول أن تفهم ما أغضبه فلا يجيب. يمر اليوم وأنت تراجع كلماتك، ثم تجد نفسك مستعداً للاعتذار عن شيء لا تعرفه، فقط كي يعود الحديث.

في هذا المشهد، يصبح الانتظار مرهقاً لأنك لا تعرف ما المطلوب منك ولا متى ينتهي الانقطاع. وقد ينتقل اهتمامك من موضوع الخلاف إلى سؤال أشد إيلاماً: "هل ما زلت مهماً لديه؟".

هل كل صمت عقاب؟

هناك فرق بين شخص يحتاج وقتاً لتهدئة انفعاله، وآخر يستخدم قطع التواصل للضغط أو الإذلال أو دفع شريكه إلى التراجع. وقد يصمت إنسان لأنه مرتبك ولا يجد الكلمات؛ لذلك لا يمكن الجزم بالنية من الصمت وحده.

يمكن النظر إلى ما يحيط به: هل يوضح الشخص أنه يحتاج إلى استراحة؟ هل يعود إلى الحديث؟ هل يقبل أن يبقى بينكما اختلاف؟ أم لا ينتهي الصمت إلا حين تتنازل، ويتكرر كلما وضعت حداً أو اعترضت؟

عبارة مثل "أنا منزعج ولا أستطيع الكلام الآن، لنعد إلى الموضوع بعد العشاء" تعطي الطرف الآخر معلومة وموعداً. أما تجاهله لأيام مع رفض أي توضيح فيتركه أمام مهمة مستحيلة: إصلاح شيء لا يُسمح له بمناقشته.

لماذا يؤلم بهذا القدر؟

جمعت مراجعة منهجية 15 دراسة عن الصمت في العلاقات القريبة، ووصفت ارتباطاته بالضيق والشعور بالإقصاء وتراجع جودة العلاقة. لكن غالبية الدراسات اعتمدت على التقارير الذاتية؛ فلا تكفي النتائج لإثبات نية شخص معين أو تقدير الضرر لدى كل من يتعرض للصمت. [1]

ومن السهل تصور كيف يزيد الغموض الألم: في الخلاف المعلن تعرف، ولو جزئياً، ما يعترض عليه شريكك. أما حين تُحرم من الرد، فقد تبدأ في ملء الفراغ باحتمالات قاسية، أو تتخلى عن طلبك لاستعادة التواصل.

مشهد قد يبدو مألوفاً

المثال التالي افتراضي للتوضيح، وليس قصة مراجع.

تخبر هناء زوجها أنها لا تستطيع زيارة أهله هذا المساء بسبب إرهاقها. يتوقف عن الحديث معها. في صباح اليوم التالي تسأله عن شأن يخص الأطفال فلا يجيب. تقول: "إذا كنت زعلت، خلنا نتكلم". يرد: "المفروض تعرفين".

تبدأ هناء في شرح تعبها، ثم الاعتذار، ثم تعرض الذهاب رغم إرهاقها. يعود الحديث تدريجياً، لكنهما لم يناقشا ما حدث. وقد تخرج من الموقف بفكرة: "لكي يبقى قريباً، عليّ ألا أرفض".

هذه نهاية محتملة للمشهد، وليست قاعدة عامة. لكنها توضح أن الهدوء الظاهر قد يخفي تنازلاً تحت الضغط، وأن توقف الخلاف لا يعني بالضرورة أنه حُل.

كيف نفهمه سيكودينامياً؟

يسأل الفهم السيكودينامي عما يصعب احتماله أو التعبير عنه لدى هذا الشخص في هذه العلاقة. في المثال، هل شعر الزوج بأن اعتذار هناء عن الزيارة رفض له؟ هل يعجز عن قول إنه خائب أو غاضب؟ هل يستخدم الابتعاد ليفرض ما يريد؟ هذه احتمالات مختلفة، ولا يبيح فهم أحدها استمرار الأذى.

وتساعد فكرة ماري مورغان عن ملاحظة ما يتشكل بين الشريكين على توسيع السؤال من "من المخطئ؟" إلى "كيف ينتهي الاختلاف هنا بإلغاء صوت أحدنا؟". هذا تطبيق تفسيري على المثال، لا نتيجة تجريبية مستمدة منه. [2]

وقد تتصل شدة ألم هناء بخبرات سابقة كان فيها القرب مشروطاً بالطاعة. وقد يكون التجاهل الحالي مؤلماً بذاته دون هذا التاريخ. لا تحتاج إلى إثبات جرح قديم كي يكون اعتراضها على المعاملة مشروعاً.

ما الذي يمكن قوله عندما يكون الحوار آمناً؟

يمكن وصف السلوك وأثره دون محاولة قراءة النوايا: "منذ خلافنا توقفت عن الرد عليّ. أحترم حاجتك إلى وقت، لكنني أحتاج أن نحدد متى نتحدث. لا أستطيع حل المشكلة وحدي أو تخمين ما تريد".

ليس المطلوب إجبار الشريك على الكلام فوراً. المطلوب أن يكون التوقف قابلاً للفهم، وأن توجد عودة فعلية إلى الموضوع. ويمكن الاعتذار عن خطأ محدد دون الاعتذار عن الحق في الاختلاف.

وإذا كنت أنت من يصمت، فحاول بعد أن تهدأ أن تسمي ما حدث: "لم أعرف كيف أقول إنني شعرت بالرفض، فابتعدت. أفهم أن تجاهلي آلمك". قيمة هذه العبارة تتوقف على ما يتبعها: توضيح الاحتياج، واحترام الإجابة، وتغيير طريقة التعامل في المرة التالية.

حين تكون الأولوية للأمان

إذا ترافق الصمت مع تهديد أو تخويف أو سيطرة، أو كنت تخشى عقاباً لأنك تكلمت، فلا تعتمد على مواجهة مشتركة وحدها. قد تكون المساندة الفردية والتقييم المتخصص أكثر أماناً. وتوضح إرشادات العنف الأسري أن الجلسات الزوجية قد تزيد المخاطر في العلاقة المسيئة. [3]

يمكن أن نحتاج إلى بعض المسافة أثناء الخلاف، مع الحفاظ على حق الآخر في أن يُسمع وأن يعرف أين تقف العلاقة.

المراجع العلمية

1. Dubey, A., et al. (2026). Antecedents and consequences of silent treatment in close adult relationships: A systematic review. Frontiers in Psychology, 17, 1659694.

2. Morgan, M. (2026, February 22). An Analyst’s ‘Couple State of Mind’ [Podcast interview, Episode 198]. IPA Off the Couch.

3. National Domestic Violence Hotline. Should I Go to Couples Therapy with My Abusive Partner?

للتعرف على خدماتنا الاستشارية