د. علي آل فرحان

لماذا أتعلق بشخص لا يمنحني الأمان؟

لماذا يصعب الابتعاد عن علاقة لا تمنحنا الطمأنينة؟ فهم سيكودينامي للتعلق والأمل والخوف من الفقد، يراعي واقع العلاقة وحدود التفسير، مع مراجع علمية.

لماذا أتعلق بشخص لا يمنحني الأمان؟

تعرف أن العلاقة تتعبك، لكن رسالة واحدة منه تكفي كي تؤجل القرار الذي اتخذته طوال الليل.

تعود إلى التفكير في اللحظات الجميلة. ربما كان مشغولاً. ربما لم تفهمه جيداً. وربما، لو طلبت أقل وصبرت أكثر، عاد الشخص الذي أحببته في البداية.

حين يسألك أحدهم: "لماذا لا تبتعد؟"، قد لا تجد جواباً يصف ما تعيشه. فأنت ترى الألم، ومع ذلك لا تستطيع إطفاء التعلق بقرار واحد.

ما المقصود بالأمان في العلاقة؟

لا يعني الأمان أن يوافقك شريكك دائماً، أو أن يكون متاحاً في كل لحظة. من علاماته العملية أن يكون كلامه وسلوكه متقاربين، وأن تستطيع السؤال والاختلاف ووضع الحدود دون إذلال أو تخويف، وأن تجد استعداداً للعودة إلى ما أفسده الخلاف.

ويفيد تحديد ما تفتقده بدلاً من الاكتفاء بقول "أنا غير آمن". هل يختفي دون توضيح؟ هل يغير اتفاقاته باستمرار؟ هل يسخر من احتياجك؟ أم أنك تقلق رغم وجود استجابة مستقرة؟ قد يجتمع العاملان، ويحتاج كل منهما إلى فهم مختلف.

حين يصبح الحصول على الرد أهم من تقييم العلاقة

المثال التالي افتراضي، ولا يمثل حالة علاجية منشورة.

تنتظر نورة اتصالاً اتفقت عليه مع شريكها. لا يتصل. في اليوم التالي يرسل رسالة ودودة دون أن يذكر الموعد. تشعر براحة كبيرة، ثم تتردد في سؤاله لأنها لا تريد أن تفسد عودته.

تقول لصديقتها: "أعرف أنه يحبني، لكنه لا يجيد التعبير". قد يكون تفسيرها صحيحاً جزئياً، لكن السؤال الذي لم تأخذ فيه مساحة كافية هو: "هل أستطيع الاعتماد على هذا النمط من العلاقة؟".

في هذا المشهد، قد يطغى الارتياح المؤقت بعد الانتظار على تقييم ما يحدث عبر الأسابيع. يصبح وصول الرسالة حدثاً مطمئناً، بينما يظل عدم الالتزام نفسه بلا نقاش. هذا وصف لاحتمال، ولا يثبت تشخيصاً مثل "إدمان العلاقة" أو "رابطة الصدمة".

ماذا تقول أبحاث التعلق؟

يراجع ميكولينسر وشيفر علاقة توجهات التعلق بطرق تنظيم الضيق: فقد يرتبط قلق التعلق بزيادة الانشغال بالقرب، والتجنب بإبعاد الاحتياج أو المشاعر. هذه أبعاد تختلف بين الأشخاص والسياقات، وليست ملصقات نهائية تفسر كل تصرف. [1]

وفي دراسة على 236 ثنائياً، ارتبط الشعور بأن الشريك متفهم ومستجيب بانخفاض عدم الأمان المتعلق بذلك الشريك. الدراسة لا تثبت السببية، لكنها تذكرنا بأن تجربة العلاقة الحالية مهمة أيضاً، وأن كل القلق لا يأتي من داخل الشخص وحده. [2]

ما الذي نبحث عنه سيكودينامياً؟

ينظر الفهم السيكودينامي إلى المعاني والتوقعات التي نحملها إلى الحب، ومنها ما لا نراه بسهولة. [3] في مثال نورة، يمكن أن نسأل: ماذا يمثل أن يختارها هذا الشخص بالذات؟ وما الذي سيعنيه لها أن تعترف بأنه لا يقدم العلاقة التي تتمناها؟

ربما تشعر أن الابتعاد سيؤكد أنها لم تكن كافية. وربما تتمسك بوعد البداية أكثر مما تتمسك بواقع الحاضر. وربما تخاف فقداً حقيقياً لشخص تحبه، دون أن تكون هناك قصة طفولة تفسر ذلك كله.

هذه احتمالات تستحق الإصغاء. لا تعني أن الإنسان يرغب في الأذى، أو أنه اختار معاناته. كما أن الألم لا يثبت عمق الحب، والطمأنينة لا تعني أن العلاقة سطحية أو بلا شغف.

لا تختزل البقاء في سبب نفسي واحد

قد يبقى الشخص بسبب الحب والأمل، أو لاعتبارات الأبناء والمال والسكن والأسرة، أو خوفاً من رد فعل الطرف الآخر. وفي العلاقات المسيئة قد يحمل الانفصال مخاطر تستدعي تخطيطاً ودعماً. لذلك لا يكفي تفسير التعلق لتحديد القرار أو توقيته. [4]

كيف تبدأ رؤية العلاقة بوضوح أكبر؟

حاول مراجعة نمط متكرر، لا أجمل يوم ولا أسوأ يوم وحده. ماذا اتُّفق عليه؟ ماذا حدث فعلاً؟ ماذا يجري حين تعبّر عن احتياجك؟ وهل يظهر التغيير في السلوك مع الوقت، أم يقتصر على الوعود بعد كل أزمة؟

في علاقة تسمح بحوار آمن، يمكن أن تقول: "حين نتفق على اتصال ثم لا يحدث دون توضيح، يصعب عليّ الاعتماد على الاتفاق. أحتاج أن تخبرني إذا تغير موعدك". ثم لاحظ الاستجابة؛ وضوح طلبك لا يضمن أن الطرف الآخر سيحترمه.

واستعادة الروابط مع الأصدقاء والاهتمامات والمسؤوليات قد تساعدك على التفكير من مساحة أوسع من انتظار شخص واحد. وفي العلاج الفردي يمكن استكشاف الخوف من الفقد وصورة الذات والحدود، مع احترام ظروفك وقرارك.

يمكنك أن تعترف بأنك تحب شخصاً، وأن تسأل في الوقت نفسه إن كانت العلاقة التي يقدمها تسمح لك بأن تعيش بكرامة وطمأنينة.

المراجع العلمية

1. Mikulincer, M., & Shaver, P. R. (2019). Attachment orientations and emotion regulation. Current Opinion in Psychology, 25, 6–10.

2. Rice, T. M., Kumashiro, M., & Arriaga, X. B. (2020). Mind the Gap: Perceived Partner Responsiveness as a Bridge between General and Partner-Specific Attachment Security. International Journal of Environmental Research and Public Health, 17(19), 7178.

3. Tavistock Relationships. Names Used in Tavistock Relationships’ Therapies: Counsellor or Psychotherapist?

4. National Domestic Violence Hotline. Why People Stay in an Abusive Relationship.

للتعرف على خدماتنا الاستشارية