د. علي آل فرحان

كلما حاولت الاقتراب، ابتعدت عني: ماذا يحدث بيننا؟

لماذا يلح أحد الزوجين في الحديث بينما ينسحب الآخر؟ فهم نمط المطالبة والانسحاب والتعلق وحدود المساحة الشخصية، بأمثلة ومراجع علمية.

كلما حاولت الاقتراب، ابتعدت عني: ماذا يحدث بيننا؟

تقول له: "أريد أن نتكلم".

يجيب: "الآن؟ أنا متعب".

تسمع في رده أنه يتهرب منها. فيسمع في إصرارها أنها لن تترك له فرصة ليلتقط أنفاسه. يرتفع صوتها، يقصر كلامه، ثم يغادر الغرفة. تلحق به، ويقول: "لهذا لا أحب أن أفتح معك أي موضوع".

بعد دقائق، يجد كل منهما دليلاً على ما كان يخشاه: هي تشعر أنه يتركها وحدها، وهو يشعر أن الاقتراب منها يسلبه مساحته.

هذا مشهد افتراضي لتوضيح نمط تفاعلي، وليس وصفاً لحالة بعينها.

يسمى هذا في أبحاث العلاقات نمط المطالبة والانسحاب: يسعى أحد الطرفين إلى النقاش أو التغيير، بينما يتجنب الآخر الحديث أو ينهيه. وفي تحليل تجميعي شمل 74 دراسة، ارتبط هذا النمط بنتائج أقل إيجابية في العلاقة والتواصل. والارتباط يصف اتجاهاً بحثياً؛ فلا يكفي لتفسير كل موقف أو تحديد المسؤولية فيه. Schrodt وزملاؤه، 2014.

وراء الإصرار قد توجد رغبة ملحة في التأكد من استمرار العلاقة: "إذا لم نتكلم الآن، فلن نصلح شيئاً". ووراء الانسحاب قد توجد محاولة لتهدئة توتر شديد: "إذا بقيت، سأغضب أو أعجز عن الدفاع عن نفسي".

لكن هذه ليست الدوافع الوحيدة. فقد ينسحب شخص لأنه لا يريد تحمل مسؤولية فعل مؤذ، وقد يلح الآخر لأنه يواجه تجاهلاً متكرراً لمشكلة فعلية. لذلك نستمع إلى معنى السلوك، وننظر كذلك إلى أثره وما يحدث قبله وبعده.

تفيدنا هنا أبحاث التعلق في فهم الاختلافات في التعامل مع تهديد القرب: قد يشتد طلب الطمأنة مع القلق من الفقد، وقد تظهر مسافة أكبر عند الشعور بالضغط على الاستقلال. وتوضح مراجعة سيمبسون وأوفرول أن استجابة الشريك وسياق التفاعل يشاركان في تهدئة هذه المخاوف أو تنشيطها. Simpson وOverall، 2014.

هذه المعرفة تدعونا إلى الدقة في استخدام كلمات مثل "قلق" و"تجنبي". الانسحاب في نقاش واحد لا يحدد نمط تعلق إنسان، وقد يتبادل الزوجان موقعي الإلحاح والابتعاد باختلاف الموضوع.

في الفهم السيكودينامي للمشهد، يمكن أن نسأل عن الصراع الذي يعيشه كل طرف: هل يرغب في الرعاية، ويخجل من احتياجه إليها؟ هل يريد القرب، ويخاف أن يفقد معه حريته؟ وقد تظهر الرغبتان داخل الشخص نفسه. من يبتعد اليوم قد يعود غداً غاضباً لأن شريكه لم يسأل عنه.

يساعد النظر إلى هذه الاحتمالات في توسيع الفهم، ويحتاج ربطها بتاريخ الشخص إلى معرفة فعلية به. لا نستنتج طفولة مؤذية من رسالة لم يُرد عليها.

لنتخيل أن الزوج في المشهد الأول يستطيع أن يقول: "أعرف أن الموضوع مهم. أنا متوتر الآن وأحتاج إلى أن أهدأ. سأعود لنتكلم بعد العشاء". ويعود فعلاً. عندئذ تصبح المسافة محددة، ويبقى التواصل ممكناً.

وقد تتمكن الزوجة من قول: "حين تنهي الحديث دون أن أعرف متى سنعود إليه، أشعر أن الموضوع سيضيع. أحتاج موعداً واضحاً". هنا يصبح الطلب قابلاً للفهم والاستجابة، بدلاً من سلسلة أسئلة يتلقاها الآخر كاتهام.

هذا اقتراح عملي للمثال، وتظهر قيمته في الالتزام به. عبارة "أحتاج مساحة" تفقد معناها الإصلاحي إذا أصبحت طريقة دائمة لتأجيل كل نقاش. وطلب القرب لا يمنح صاحبه حق الملاحقة أو انتهاك الحدود.

العلاج يمكن أن يساعد الطرفين على ملاحظة اللحظة التي يتحول فيها طلب أحدهما إلى تهديد في تجربة الآخر، ثم فهم ما يفعله كل منهما للاحتمال والحماية. ولا يلزم أن تكون مساهمتهما في المشكلة متساوية، خصوصاً عند وجود تهديد أو سيطرة.

يتسع القرب حين يستطيع أحدهما طلب وقت دون أن يختفي، ويستطيع الآخر التعبير عن احتياجه مع إبقاء مساحة للاستجابة.

المراجع

  • Schrodt, P., Witt, P. L., & Shimkowski, J. R. (2014). A meta-analytical review of the demand/withdraw pattern of interaction and its associations with individual, relational, and communicative outcomes. Communication Monographs, 81(1), 28–58. DOI.
  • Simpson, J. A., & Overall, N. C. (2014). Partner buffering of attachment insecurity. Current Directions in Psychological Science, 23(1), 54–59. DOI.

للتعرف على خدماتنا الاستشارية ←