د. علي آل فرحان
استشاري علم النفس والعلاج النفسي - أستاذ علم النفس المشارك
قد تستيقظ وقد أصبحت الأشياء التي تحبها بعيدة عنك. تذهب إلى عملك، وترد على الرسائل، وتؤدي ما يُطلب منك، لكن يومك يمضي دون أن تشعر أنك حاضر فيه كما كنت. وربما تقول: "حياتي تبدو جيدة، فلماذا أشعر بهذا الثقل؟"
وقد يبدأ التغير بصورة أخرى: نوم أقل من المعتاد، وطاقة متزايدة، وأفكار تتسابق، وقرارات تبدو في لحظتها واضحة ومغرية. عندئذ يستحق الأمر أن نسأل عن طبيعة هذا التغير ومدته وأثره، قبل اعتباره مجرد نشاط أو تحسن.
يساعدنا فهم المزاج على الاقتراب من هذه الخبرات. ويضيف المنظور السيكودينامي سؤالاً عن معناها لدى صاحبها: كيف ترتبط بعلاقته بنفسه، وبالفقد والاحتياج والغضب والتقدير؟
نتأثر جميعاً بالأخبار والضغوط والنوم والعلاقات. أما اضطرابات المزاج فتتضمن تغيرات تتجاوز الاستجابة العابرة، وقد تؤثر في الطاقة والاهتمام والتفكير والقدرة على أداء الحياة اليومية. وفي هذه الصفحة نستخدم المصطلح بوصفه عنواناً جامعاً للاضطرابات الاكتئابية والاضطرابات ثنائية القطب، مع اختلافها في التشخيص والعلاج. [1، 2]
في الاكتئاب، قد يستمر انخفاض المزاج أو فقدان المتعة، مع تغير النوم والشهية والطاقة والتركيز، أو الشعور بانعدام القيمة. يتطلب تشخيص الاكتئاب الجسيم عادة مجموعة من الأعراض لمدة أسبوعين على الأقل، مع أثر سريري مهم؛ فالمدة وحدها لا تكفي للتشخيص، ولا يلزم انتظارها إذا كانت المعاناة شديدة. [1]
أما ثنائي القطب فيتضمن تاريخاً من الهوس أو الهوس الخفيف، بحسب النوع، وقد تصاحبه نوبات اكتئابية. ومن العلامات التي تستحق الانتباه ارتفاع غير معتاد في الطاقة أو التهيج، وقلة الحاجة إلى النوم، وتسارع الكلام والأفكار، والاندفاع. التبدل بين الفرح والحزن خلال اليوم لا يكفي وحده لتشخيص ثنائي القطب. [2]
يهتم التقييم بالأعراض، ويهتم أيضاً بالطريقة التي يعيش بها الشخص هذه الأعراض. فقد يقول شخصان: "أنا بلا قيمة"، لكن أحدهما يشعر بذلك بعد ابتعاد شخص يحبه، بينما يشعر الآخر به عند إخفاق مهني محدود.
يساعد نموذج سيدني بلات وباتريك لويتن على فهم بُعدين مهمين في التجربة النفسية: الارتباط بالآخرين، وتكوين إحساس بالذات والقيمة والاستقلال. قد تتجمع معاناة بعض الأشخاص حول الفقد والوحدة والخوف من الهجر، وقد تتجمع لدى آخرين حول الفشل والذنب ونقد الذات. ويمكن أن يتداخل البعدان لدى الشخص نفسه؛ وهما عدستان للفهم، لا تشخيصان يغنيان عن التقييم. [3]
المشاهد التالية افتراضية صيغت للتوضيح، ولا تمثل حالات مراجعين أو دليلاً على تشخيص معين.
لم يحصل "سالم" على الترقية التي توقعها. في البداية شعر بخيبة أمل، ثم بدأ يعيد قراءة سنوات عمله كلها من خلال هذه النتيجة: "لم أحقق شيئاً. الآخرون أفضل مني. حتى نجاحاتي السابقة لم تكن تستحق."
تغيرت عبارته من "لم أحصل على ما أردت" إلى "أنا لا أستحق". ومع الوقت صار يتجنب أصدقاءه، ويؤجل أعماله، ويجد صعوبة في النوم.
في قراءة سيكودينامية محتملة، يمكن استكشاف مقدار اعتماد قيمة سالم في نظر نفسه على الإنجاز. هل يتيح لنفسه أن يخفق دون أن يفقد احترامه لذاته؟ وهل يستقبل المساندة، أم يسمعها شفقةً تؤكد شعوره بالنقص؟
قد نجد في تاريخه قبولاً مرتبطاً بالتفوق، وقد لا نجد ذلك. وقد تكون بيئة العمل الحالية مجحفة بالفعل. لذلك يشمل الفهم ظروفه الواقعية، ولا يحول كل معاناة إلى نتيجة مفترضة للطفولة.
في هذا المثال يمكن أن يكون أحد أهداف العلاج أن يستعيد سالم القدرة على تقييم ما حدث بحجمه: خسارة مهمة تستحق الحزن والمراجعة، دون أن تصبح حكماً شاملاً على حياته. هذه صياغة توضيحية مستلهمة من الاهتمام بنقد الذات في نموذج بلات، وليست نتيجة علاجية مضمونة. [3]
بعد انتهاء علاقة طويلة، تقول "ريم": "أعرف أن العلاقة كانت متعبة، لكنني لا أعرف من أكون خارجها."
لا يقتصر ألمها، في هذا المشهد، على غياب الشريك. فقد اختفت معه تفاصيل كانت تنظم يومها: من تنتظر رسالته، ولمن تحكي، ومع من تتخيل المستقبل. وحين يخفت انشغالها به، تجد فراغاً لا تعرف كيف تصفه.
قد يبدأ الاستكشاف من أسئلة قريبة: ما الذي كانت تمنحك إياه العلاقة؟ وأي جوانب من حياتك ضاقت أثناءها؟ وما الذي تخشينه عندما تتخيلين الاستمرار دونها؟
لا نفترض أن الاحتياج إلى الآخر مرض، أو أن الاستقلال يعني الاستغناء عن العلاقات. في هذا المثال، قد يكون العمل على تحمل الفقد، واستعادة مصادر أخرى للمعنى والمساندة، والتعرف إلى الرغبات التي ظلت مؤجلة.
ويبقى التفريق بين الحزن على الفقد وبين نوبة اكتئابية جزءاً من التقييم؛ فقد تتداخل التجربتان، ولا يحسم السبب الظاهر وحده طبيعة الحالة. [1]
تستكشف بعض الصياغات التحليلية كيف يصعب على الشخص الاعتراف بغضبه ممن يحتاج إليهم، فيصبح توجيه اللوم إلى نفسه أسهل من احتمال الخلاف معهم. وقد تظهر أيضاً مشاعر متعارضة تجاه الشخص نفسه: الحب والغضب، والامتنان والخذلان. هذا أحد المداخل التي تناقشها الأدبيات التحليلية حول الشخصيات الاكتئابية. [4]
تخيل شخصاً يعتني بقريب له طوال الوقت. كلما شعر بالإرهاق قال لنفسه: "أنا أناني لأنني تضايقت." في هذا المشهد، قد يفيده أن يميز بين شعوره بالغضب وبين إيذاء من يحبه، وبين حاجته إلى الراحة وبين التخلي عنه.
هذه صياغة محتملة لبعض الخبرات، ولا تعني أن الاكتئاب كله غضب مكبوت أو موجه إلى الداخل. تتفاعل في الاكتئاب عوامل وراثية وبيولوجية ونفسية واجتماعية، ولا تختزلها قصة واحدة. [1، 4]
قد يهتم العلاج بمعنى الاستقلال أو الشعور بالقوة لدى شخص يعاني من ثنائي القطب، لكن هذا لا يكفي لتفسير نوبة الهوس أو التعامل معها. قلة الحاجة إلى النوم والاندفاع والتغير الواضح في النشاط قد تستلزم تقييماً طبياً سريعاً، حتى إن شعر الشخص بأنه في أفضل حالاته. [2]
تتضمن رعاية ثنائي القطب عادة العلاج الدوائي والمتابعة النفسية، مع الاهتمام بالنوم والروتين والتعرف إلى علامات الانتكاس. ويمكن للعلاج النفسي أن يساعد على فهم أثر المرض في الهوية والعلاقات والتعامل مع تبعات النوبات. أما نتائج أبحاث العلاج الدينامي للاكتئاب فلا تُنقل تلقائياً إلى علاج الهوس أو ثنائي القطب. [2، 5]
يبدأ بتقييم تغير المزاج وتوقيته، والنوم والطاقة، والتاريخ العلاجي والصحي، وتأثير الأعراض في الحياة والسلامة. ومن المهم السؤال عن فترات سابقة من ارتفاع النشاط، لا الاكتفاء بما يشعر به الشخص يوم المقابلة. [1، 2]
وفي العمل السيكودينامي يمكن تناول موقف محدد، مثل رسالة لم يُرد عليها أو ملاحظة مهنية، لاستكشاف الشعور الذي أثاره، والمعنى الذي اكتسبه، وكيف استجاب الشخص له. وقد نلاحظ توقعات مشابهة في الجلسة: الخوف من أن يضيق المعالج بالحزن، أو الشعور بأن طلب المساعدة دليل على العجز.
هذه احتمالات يختبرها الحوار. وقد يكون لصعوبة الثقة سبب في العلاقة العلاجية الحالية نفسها؛ لذلك يظل الإصغاء إلى تجربة الشخص ومراجعة الفهم جزءاً من العلاج. [4]
وجدت مراجعة شاملة نُشرت في World Psychiatry عام 2023 دعماً لفاعلية العلاج السيكودينامي في اضطرابات اكتئابية لدى البالغين، مع قيود بحثية منها التحيز وعدم الدقة في بعض المجالات. وهي تدعم اعتباره أحد الخيارات العلاجية، دون أن تثبت ملاءمته لكل شخص أو تفوقه في كل حالة. [5]
يمكن الاتفاق على مؤشرات تخص حياة الشخص: عودة الاهتمام، وتحسن الأداء اليومي، والقدرة على طلب المساندة، أو انخفاض قسوة محاكمة الذات بعد الخطأ. وهذه أمثلة لأهداف تُناقش وتُتابع، وليست مقياساً موحداً أو وعداً بنتيجة.
في مثال سالم، قد يصبح قادراً على مراجعة أدائه دون إدانة نفسه. وفي مثال ريم، قد يبقى الحزن موجوداً، بينما تستعيد تدريجياً القدرة على الاهتمام والعمل وبناء يوم له معنى.
قد يبدأ التحسن بانخفاض ثقل المزاج، ويتسع حين يجد الإنسان طرقاً أرحب لفهم نفسه والتعامل مع ما يفقده وما يحتاج إليه.
إذا استمر التغير في المزاج أو أثّر في نومك وعملك وعلاقاتك، يفيد طلب تقييم متخصص. وعند وجود خطر بإيذاء النفس، أو فقدان الاتصال بالواقع، أو اندفاع شديد مع قلة النوم، اطلب مساعدة عاجلة من أقرب طوارئ. المحتوى للتثقيف ولا يشخّص حالتك.