اضطرابات الشخصية: فهم الأنماط التي تتكرر في علاقتنا بأنفسنا وبالآخرين

د. علي آل فرحان
استشاري علم النفس والعلاج النفسي - أستاذ علم النفس المشارك

قد تتغير العلاقة ويبقى الخلاف مألوفاً. تبدأ قريباً ومطمئناً، ثم تشعر بأنك غير مهم، فتعاتب أو تبتعد. وربما تعد نفسك في كل مرة بأن تعبّر عن احتياجك بوضوح، لكنك حين تخشى الرفض تقول: "لا أحتاج أحداً."

وقد يحدث التكرار في علاقتك بنفسك: تمدح أداءك في الصباح، ثم تسمع ملاحظة صغيرة فتشعر أنك بلا قيمة. أو تبذل جهداً كبيراً كي تضبط التفاصيل، ثم تجد أن الحرص الذي ساعدك في البداية صار يرهقك ويضيّق حياتك.

هذه الخبرات تستحق الفهم، لكنها لا تثبت وحدها وجود اضطراب شخصية. السؤال هو مدى تكرار النمط ومرونته، والسياقات التي يظهر فيها، وما يسببه من معاناة أو تعطيل.

ما المقصود باضطراب الشخصية؟

تشير الشخصية إلى أنماطنا المعتادة في التفكير والشعور والتصرف والعلاقات. ويُبحث احتمال اضطرابها عندما تصبح بعض الأنماط ممتدة عبر الزمن، وقليلة المرونة، وتسبب صعوبات مهمة في الحياة أو العلاقات، مع مراعاة السياق الثقافي والمرحلة العمرية. [1]

وجود صفة مثل الحساسية أو التحفظ أو حب النظام لا يكفي للتشخيص. فالمهم أيضاً قدرة الشخص على تعديل استجابته عندما يتغير الموقف، وعلى الاحتفاظ بعلاقات وأهداف يستطيع العيش معها. [1]

والتشخيص وصف سريري يساعد في اختيار العلاج؛ لا يختصر أخلاق الإنسان أو قيمته، ولا يصلح حكماً نطلقه على شريك أو قريب بعد خلاف.

ما الذي يحاول الفهم السيكودينامي معرفته؟

إلى جانب الأعراض، يهتم المعالج بصورة الشخص عن نفسه وعن الآخرين، وبكيفية تنظيمه لمشاعره، وبالطرق التي يحتمي بها من الخوف والعار والفقد. وتقدم أعمال نانسي ماكويليامز إطاراً لفهم هذه الفروق ومعناها للعلاقة العلاجية. [2]

ومن الأسئلة التوضيحية التي يمكن أن تقرب الفكرة:

  • هل تستطيع أن ترى خطأك دون أن تفقد احترامك لنفسك؟
  • هل يبقى الشخص الذي تحبه في نظرك محباً عندما تختلف معه؟
  • هل يمكنك أن تطلب المساندة دون أن تشعر بأنك أصبحت بلا قدرة؟
  • ماذا تفعل حين يجتمع داخلك الغضب والحاجة إلى القرب؟

لا تُستخدم هذه الأسئلة كاختبار منزلي؛ فهي مداخل لحوار أوسع عن التجربة وتاريخها وظروفها.

صورة الذات والآخر: هل يمكن أن تحتمل التعقيد؟

يركز نموذج أوتو كيرنبرغ لتنظيم الشخصية على جوانب منها تماسك الهوية، والدفاعات، واختبار الواقع. ويعني اختبار الواقع، هنا، القدرة على التمييز بين الخبرة الداخلية وما يحدث خارجنا. وقد طُورت مقابلات منظمة، مثل STIPO، لتقييم جوانب من هذا النموذج. [3]

وقد يوضح موقف بسيط معنى الاهتمام بصورة الذات والآخر: أستطيع أن أغضب من صديق، مع تذكّر أنه وقف معي سابقاً؛ وأستطيع أن أعترف بأنني أخطأت، مع الاحتفاظ بمعرفة أن لدي قدرات وقيمة.

حين تضيق هذه المساحة تحت الانفعال، قد يطغى جانب واحد على الصورة كلها: "هو لا يهتم بي إطلاقاً"، أو "أنا أفشل في كل شيء". هذا مثال لتقريب الفكرة، ولا يكفي حدوثه أحياناً للاستدلال على مستوى تنظيم الشخصية.

ومن المهم التفريق بين التنظيم الحدّي للشخصية، وهو مفهوم ضمن نموذج سيكودينامي، واضطراب الشخصية الحدّية، وهو تشخيص محدد. المصطلحان لا يتطابقان. [3]

مثال: أبتعد قبل أن تُبعدني

المشاهد التالية افتراضية، وليست حالات مراجعين أو أوصافاً تشخيصية جاهزة.

يتعرف "ناصر" إلى أصدقاء جدد. يستمتع بلقائهم، لكنه يراقب النبرات والتعليقات، ويبحث عن إشارة إلى أنه غير مرغوب فيه. وحين ينسى أحدهم دعوته إلى مناسبة، يتوقف عن الرد على المجموعة كلها.

يقول: "الموضوع لا يهمني." لكنه يقضي أياماً في التفكير فيه.

في قراءة محتملة، قد يحميه الانسحاب من انتظار رفض يخشاه. غير أن هذه الحماية تضعه خارج العلاقة قبل أن يعرف ما حدث: هل كان الاستبعاد مقصوداً؟ هل المناسبة محدودة؟ هل أخطأ صديقه؟

هنا يمكن استكشاف المسافة بين الشعور والنتيجة: "شعرت بأنني غير مهم" تصف تجربة تستحق الإصغاء؛ أما "لا أحد يريدني" فتحتاج إلى فحص أوسع. وقد يتبين أن العلاقة مؤذية فعلاً، وعندها يصبح وضع الحدود جزءاً من العمل.

هذا المثال لا يشخّص اضطراب الشخصية التجنبية. فقد يظهر الانسحاب لأسباب متعددة، منها القلق أو خبرات سابقة أو ظروف هذه العلاقة نفسها.

الدفاع النفسي: ما الذي تحميني منه استجابتي؟

الدفاعات عمليات نفسية تخفف مشاعر يصعب احتمالها، ويعمل كثير منها خارج الوعي المباشر. يهتم العلاج بوظيفتها ومرونتها وكلفتها؛ فقد يساعد الابتعاد المؤقت على تهدئة الغضب، بينما يحرم الانسحاب الدائم الشخص من المساندة. [2]

تخيل "منى" التي تعيد إنجاز أعمال زملائها لأنها لا تحتمل احتمال الخطأ. تسهر وتغضب من كثرة المسؤوليات، لكنها تجد صعوبة في تفويض أي جزء منها.

قد نسأل: ماذا يعني أن يحدث خطأ؟ هل تخشى تبعات مهنية واقعية؟ أم تشعر بأن أي نقص سيكشف أنها غير كفؤة؟ وهل أصبحت السيطرة على التفاصيل وسيلتها الوحيدة للشعور بالأمان؟

في هذا المشهد، قد يكون الهدف تعلم التمييز بين ما يحتاج إلى تدقيق وما يمكن إنجازه بصورة كافية، مع فهم القلق المصاحب لترك بعض السيطرة. ولا تكفي الكمالية أو الاجتهاد وحدهما لتشخيص اضطراب شخصية.

التعقّل: أن أفهم شعوري دون أن أجزم بما في ذهن الآخر

يُقصد بالتعقّل (Mentalizing) محاولة فهم سلوكنا وسلوك الآخرين في ضوء المشاعر والأفكار والنوايا، مع إدراك أن معرفتنا بها قابلة للخطأ. وهو محور العلاج القائم على التعقّل المرتبط بأعمال بيتر فوناغي وأنتوني بيتمان. [4]

تتلقى "ليان" رداً مقتضباً من شريكها، فتستنتج فوراً: "لقد ملّ مني." قد يساعدها التوقف عند تسلسل التجربة: رأيت رداً قصيراً، فشعرت بالخوف، ثم اعتبرت خوفي دليلاً على نيته.

يمكن أن تصبح عبارتها: "ردك القصير أقلقني، هل هناك ما يشغلك؟" وهكذا تتاح فرصة للاستفهام قبل التصرف بناءً على تفسير واحد. وقد يكشف الحوار مشكلة حقيقية تحتاج إلى معالجة؛ فالتعقّل لا يعني تبرير سلوك الآخر أو إنكار الأذى.

هل توجد أنواع مختلفة؟

تصف التصنيفات أنماطاً متعددة، منها الحدّية والتجنبية والاعتمادية والنرجسية والوسواسية القهرية للشخصية. وتختلف في جوانب الصعوبة، مع إمكان تداخل السمات والتشخيصات. لذلك لا تُختزل الشخصية في كلمة رائجة، مثل "نرجسي" أو "حدّي". [1]

وقد يعاني شخص من تقلب انفعالي داخل العلاقات دون ثنائي القطب، أو من اضطراب مزاجي يؤثر مؤقتاً في سلوكه. وقد يجتمع اضطراب مزاج واضطراب شخصية لدى الشخص نفسه. يراجع التقييم مسار الصعوبات عبر الزمن، بدلاً من الحكم من موقف واحد أو من أسوأ فترة مر بها الشخص. [1، 7]

كيف يساعد العلاج؟

يمكن الاتفاق على أهداف محددة، مثل تقليل الاندفاع، أو بناء قدرة أفضل على تحمل الخلاف، أو التعبير عن الاحتياج، أو المحافظة على صورة أكثر توازناً للذات أثناء النقد.

وقد تظهر بعض الأنماط داخل الجلسة. فالشخص الذي يخشى الرفض قد يصعب عليه إخبار المعالج بأنه لم يفهمه. يتيح تناول هذا الموقف فرصة لفحص ما توقعه وما حدث فعلاً، ولتوضيح إسهام المعالج نفسه في سوء الفهم. هذه صورة توضيحية للعمل العلاجي، وليست تفسيراً يفترض مسبقاً أن كل صعوبة في الجلسة مصدرها المراجع. [2]

توصي الإرشادات بالعلاجات النفسية المنظمة للشخصية الحدّية. وتوجد مناهج متعددة، من بينها العلاج القائم على التعقّل، وعلاجات أخرى مثل العلاج السلوكي الجدلي. ويعتمد الاختيار على الاحتياجات والأهداف والخبرة العلاجية المتاحة. [5]

كما وجدت مراجعة World Psychiatry عام 2023 دعماً للعلاج السيكودينامي في مجال اضطرابات الشخصية لدى البالغين، مع تفاوت الأدلة وحدودها. لا يعني ذلك أن جميع اضطرابات الشخصية دُرست بالقدر نفسه، أو أن بروتوكولاً واحداً يناسب الجميع. [6]

وقد تستدعي الاضطرابات المصاحبة، مثل الاكتئاب، تقييماً دوائياً. لكن الدواء لا يُعامل بوصفه وسيلة لتغيير الشخصية، وتبقى الخطة فردية ومبنية على التقييم. [1]

هل يمكن أن تتغير الأنماط الراسخة؟

رسوخ النمط لا يجعله قدراً محتوماً. قد يبدأ التغير حين تتمكن من ملاحظة ما يحدث قبل أن تتصرف: تلاحظ خوفك من الرفض، وتسأل قبل أن تقطع العلاقة؛ أو تعترف بغضبك، وتضع حداً دون أن تؤذي؛ أو تسمح بخطأ محدود دون أن تفقد احترامك لنفسك.

هذه أمثلة لأهداف ممكنة، ويتفاوت التقدم والوقت اللازم له بين الأشخاص. المهم أن تُراجع الخطة بحسب ما يتحسن وما يبقى صعباً، لا أن يُطلب من الشخص تبديل نفسه دفعة واحدة.

يمكن للعلاج أن يفتح مساحة بين الشعور والاستجابة، تصبح فيها قادراً على الاختيار حيث كنت تشعر أن النمط يختار عنك.

إذا كانت أنماط متكررة ترهق علاقاتك أو عملك أو شعورك بذاتك، يمكنك طلب تقييم متخصص لفهمها. وعند وجود خطر بإيذاء النفس أو الآخرين، تكون الأولوية للمساعدة العاجلة. هذا المحتوى للتثقيف، ولا يصلح لتشخيص نفسك أو الآخرين.

مراجع الصفحة

  1. American Psychiatric Association. What Are Personality Disorders? مرجع التعريف والسمات والتقييم والعلاج. المصدر.
  2. McWilliams, N. (2011). Psychoanalytic Diagnosis: Understanding Personality Structure in the Clinical Process (2nd ed.). Guilford Press. مرجع الفهم السريري والدفاعات والعلاقة العلاجية. موقع المؤلفة والكتاب.
  3. Doering, S., et al. (2013). Reliability and validity of the German version of the Structured Interview of Personality Organization (STIPO). BMC Psychiatry, 13, 210. مرجع تقييم جوانب نموذج تنظيم الشخصية؛ لا يثبت أن نموذجاً نظرياً واحداً يفسر جميع الحالات. DOI.
  4. Anna Freud. What Is MBT? Mentalization-Based Treatment Explained. مرجع مفهوم التعقّل والعلاج القائم عليه. المصدر.
  5. National Institute for Health and Care Excellence. Borderline personality disorder: recognition and management (CG78); Personality disorders: borderline and antisocial (QS88), quality statement 2. توصيات خاصة بالشخصية الحدّية لا تُعمم تلقائياً على جميع اضطرابات الشخصية. CG78 · العلاجات النفسية المنظمة.
  6. Leichsenring, F., et al. (2023). The status of psychodynamic psychotherapy as an empirically supported treatment for common mental disorders—an umbrella review based on updated criteria. World Psychiatry, 22(2), 286–304. DOI.
  7. National Institute of Mental Health. Bipolar Disorder. مرجع أهمية تقييم مسار المزاج والتشخيصات المصاحبة. المصدر.