ظواهر نعيشها كل يوم… يفسرها علم النفس
نصف ساعة وتمضي ساعتان: كيف تفسر مغالطة التخطيط خطأنا في تقدير الوقت؟ أمثلة يومية ونتائج بحثية وخطوات للاستفادة من تجاربنا السابقة.
نصف ساعة… وتمضي ساعتان
تقول لنفسك: "هذا التقرير يحتاج نصف ساعة."
تبدأ العمل، تمر النصف ساعة، ثم ساعة، ثم تكتشف بعد ساعتين أنك ما زلت تعدّل وتراجع وتبحث عن معلومة ناقصة.
وفي اليوم التالي، تنظر إلى مهمة أخرى وتقول بثقة مشابهة: "هذه بسيطة… لن تأخذ وقتاً."
ثم يتكرر المشهد.
قد تكون منظماً وتعرف عملك جيداً، ومع ذلك تخطئ في تقدير المدة التي تحتاجها لإنجازه. أحد أسباب ذلك يظهر في الطريقة التي نتخيل بها المستقبل.
عندما نقدر مدة مهمة لم نبدأها بعد، قد نبني في أذهاننا نسخة مرتبة منها: سنبدأ مباشرة، وسنكون مركزين، وستكون المعلومات متاحة، ولن نحتاج إلى إعادة جزء مما أنجزناه.
نحسب المهمة كما لو أنها ستجري بلا أي عقبات.
لكن أثناء العمل يأتي اتصال، وتصل رسالة تحتاج إلى رد، ولا يفتح أحد الملفات، ونكتشف معلومة ناقصة، ونعيد كتابة فقرة أكثر من مرة. وقد يستنزف قرار صغير وقتاً لم ندخله أصلاً في الحساب.
تبدو هذه التفاصيل هامشية عندما ننظر إلى المهمة من بعيد. لكنها حين تتجمع تصبح جزءاً أساسياً من الوقت الذي تحتاجه.
وصف دانيال كانيمان (Daniel Kahneman) وآموس تفيرسكي (Amos Tversky) هذا الميل ضمن ما يعرف باسم مغالطة التخطيط (Planning Fallacy): أن نقدر الوقت اللازم لإنجاز مهمة بتفاؤل زائد، حتى عندما تخبرنا تجارب مشابهة بأن الإنجاز يستغرق عادة مدة أطول. ويقترن ذلك بالتركيز على تفاصيل الخطة الحالية أكثر من الاستفادة من نتائج المهام السابقة. كانيمان وتفيرسكي، التنبؤ الحدسي.
قد تكون نفذت عملاً مشابهاً عشر مرات، لكنك تتعامل مع المرة الجديدة وكأنها استثناء:
"هذه المرة مختلفة."
ستبدأ مبكراً، ولن تحدث مقاطعات، وستكون الأمور أبسط. أما التأخير السابق فتجد له تفسيراً خاصاً: ظرف عائلي، أو مشكلة تقنية، أو معلومة تأخرت.
وقد تكون هذه التفسيرات صحيحة. لكن تكرر الظروف المختلفة يستحق أن يدخل في تقديرك أيضاً؛ فاختفاء مشكلة الأمس لا يعني أن الغد سيخلو من المشكلات.
وفي دراسة نشرها روجر بيوهلر وزميلاه عام 1994، بلغ متوسط تقديرات الطلاب لإنهاء مشروعات تخرجهم نحو 34 يوماً، بينما استغرق الإنجاز فعلياً نحو 56 يوماً لدى من توفرت بيانات إتمامهم. هذه نتيجة لعينة ومهمة محددتين، لكنها توضح كيف يمكن أن تتسع المسافة بين التوقع والإنجاز. الدراسة الأصلية.
ونجد صورة يومية قريبة من هذه الفكرة عندما نقول: "المكان يبعد عشرين دقيقة."
قد يكون هذا تقديراً معقولاً لمدة القيادة التي يعرضها تطبيق الخرائط، بما يتضمنه من تقدير لحركة المرور. لكن موعد وصولك يتأثر أيضاً بالوقت الذي تحتاجه للاستعداد والخروج، وانتظار المصعد، والوصول إلى السيارة، والبحث عن موقف، ثم المشي إلى المكان.
العشرون دقيقة تصف جزءاً من الرحلة، بينما أنت تحتاج إلى تقدير الرحلة كاملة.
وهذا مثال توضيحي على ما قد نسقطه من حساباتنا: نرى التقرير، وتغيب عنا المراجعات التي سيحتاجها. نرى مدة القيادة، وتغيب عنا دقائق البحث عن موقف. نرى خطوات المهمة، وتغيب عنا الحياة التي ستحدث بين هذه الخطوات.
الأمر نفسه قد يظهر عندما نجهز حقيبة سفر، أو نعد عرضاً، أو نكتب بحثاً، أو نرتب للانتقال إلى منزل جديد. نعرف ما يجب فعله، لكن معرفة الخطوات لا تكفي وحدها لتقدير الزمن الذي ستستغرقه.
لهذا، قبل أن تقول: "ستنتهي خلال ساعة"، ارجع إلى مهمة مشابهة واسأل:
"كم احتاجت مني فعلياً في المرات السابقة؟"
ثم انظر إلى ما تغيّر هذه المرة: هل أصبحت المواد جاهزة؟ هل قلّ حجم العمل؟ هل تحتاج إلى انتظار رد من شخص آخر؟ اجعل تقديرك يستند إلى هذه الفروق المحددة.
وفي تجربة ضمن بحث بيوهلر وزميليه، اختفى التحيز المتفائل لدى المجموعة التي طُلب منها ربط خبراتها السابقة بتقديرها الحالي. وهذا يدعم فائدة استخدام الماضي بصورة مباشرة عند التخطيط، مع مراعاة اختلاف المهمة والظروف. بيوهلر وزملاؤه، 1994.
يمكنك تجربة ذلك في أعمالك المتكررة: دوّن الوقت الذي توقعته، ثم الوقت الذي استغرقته فعلاً، وما الذي شغل الفارق بينهما. بعد عدة مرات، ستملك مرجعاً أقرب إلى يومك الحقيقي.
إذا كانت مراجعة التقرير جزءاً متكرراً من العمل، فهي تستحق وقتاً في الخطة. وإذا كنت تنتظر بيانات من زميل في كل مرة، فانتظارها جزء من مدة الإنجاز. ومع تفاوت الظروف، قد يكون تقدير المدة ضمن نطاق أكثر فائدة من رقم دقيق يوحي بيقين لا نملكه.
أحياناً يكون سجلنا السابق أصدق من إحساسنا الحالي.
حين تخطط لنصف ساعة من العمل، تذكر أنها ستحدث داخل يوم كامل، بكل ما فيه.