د. علي آل فرحان

أحب شريكي، فلماذا أشعر بالوحدة معه؟

قد يستمر الحب وتبقى الوحدة داخل العلاقة. قراءة سيكودينامية للفرق بين الحضور والقرب، وصعوبة التعبير عن الاحتياج، مع أمثلة ومراجع علمية.

أحب شريكي، فلماذا أشعر بالوحدة معه؟

تتحدثان كل يوم. تعرفان مواعيد العمل، وما ينقص البيت، ومن سيأخذ الأطفال غداً. ومع ذلك، حين يحدث أمر يفرحك أو يوجعك، قد تتردد قبل أن تحكيه لشريكك.

لا توجد خصومة واضحة. وربما تقول لنفسك إن من الظلم أن تشكو: هو يهتم بالبيت، أو هي تبذل جهداً كبيراً. لكن شيئاً ما يظل ناقصاً؛ تشعر أن تفاصيل حياتك معروفة، بينما تجربتك الداخلية لا تجد من يلتقي بها.

يمكن أن تحب إنساناً وتقدّر ما يفعله، وأن تشعر بالوحدة في علاقتك به. تسمية هذا الشعور تفتح سؤالاً عن نوع القرب الذي تفتقده.

الحضور لا يخبرنا وحده عن القرب

أن يكون هناك من يجلس بجوارك يختلف عن أن تشعر أنه يحاول فهم ما تمر به. وقد يحمل طلب بسيط مثل "كيف كان يومك؟" معنيين مختلفين تماماً بحسب المساحة التي تُتاح للإجابة.

تتناول أبحاث الحميمية دور الإفصاح عن الذات واستجابة الطرف الآخر في الشعور بالقرب. وتشير دراسة لورنسو وزملائه إلى أهمية الاثنين معاً؛ فالكلام عن النفس وحده لا يختصر تجربة الحميمية. هذه نتيجة بحثية عن التفاعل، وليست وصفة تضمن القرب بين كل شريكين. [1]

حين يصل الحل قبل أن يصل الفهم

المثال التالي افتراضي للتوضيح.

يعود فهد من العمل ويقول لزوجته مها: "أشعر أن جهدي لا يراه أحد". ترد: "إذاً تحدث مع مديرك، أو ابحث عن مكان آخر". يصمت ويغير الموضوع.

كانت مها تحاول مساعدته. أما فهد فكان يريد أن يحكي عن الإحراج الذي شعر به في الاجتماع. يسمع النصيحة كأنها طلب لإنهاء الشكوى. وتفهم هي صمته على أنه رفض لمحاولتها.

إذا تكرر هذا المشهد، قد يقل حديثه عن نفسه، ثم تستغرب أنه أصبح بعيداً. وقد يكون سؤال صغير مفيداً: "تريدني أن أسمعك الآن، أم تفكر معي في حل؟". لا توجد إجابة واحدة مناسبة في كل وقت؛ الأهم أن يجد الاحتياج فرصة ليُقال.

لماذا يصعب أن أقول ما أحتاجه؟

قد يقول شخص: "لو كان يحبني لعرف وحده". يمكن فهم خيبة هذا الشخص؛ فهو يتمنى اهتماماً يأتي بمبادرة. لكن انتظار أن يعرف الآخر كل ما نحتاجه دون كلام قد يترك حاجات أساسية معلقة.

وفي قراءة سيكودينامية للمثال، يمكن أن نسأل فهد عما يعنيه طلب الإصغاء. هل يبدو له عبئاً على الآخر؟ هل يخشى أن يكون محتاجاً أكثر مما ينبغي؟ وهل تعني النصيحة لمها أنها مفيدة وقريبة، بينما يجعلها الحزن الذي لا تستطيع إصلاحه تشعر بالعجز؟

هذه أسئلة لاستكشاف تجربة كل منهما، ولا تثبت وجود دفاع معين أو تاريخ طفولي محدد. وقد يكون هناك سبب أبسط يحتاج إلى تغيير مباشر: إرهاق مزمن، أو وقت لا يتسع للحديث، أو مقاطعات متواصلة.

هل اتفقنا دون كلام على ألا نحتاج؟

تخيل شريكين يحرص كل منهما على ألا يثقل على الآخر. يخفي الأول حزنه، ويتجنب الثاني السؤال كي لا يتدخل. يقدّر كلاهما "الاستقلال"، لكنهما قد يفتقدان المساحة التي يسمح فيها لأحدهما بأن يقول: "أنا لست بخير اليوم".

يمكن الاستفادة هنا من فكرة ماري مورغان عن قدرة الشريكين على التراجع خطوة وملاحظة العلاقة التي يشكلانها. في هذا المثال، يصبح السؤال: "كيف نحاول مراعاة بعضنا، ثم ننتهي إلى أن يحمل كل منا تعبه وحده؟". هذا استخدام تفسيري للمفهوم. [2]

كيف نبدأ حواراً عن الوحدة؟

اختر لحظة فيها قدر من الهدوء، وابدأ بموقف يمكن فهمه: "حين أخبرتك عما حدث في العمل، احتجت أن تسألني أكثر قبل أن نبحث عن حل". هذه العبارة أوضح من "أنت لا تفهمني أبداً"، وتسمح للشريك بأن يجيب عن تجربة محددة.

ويمكن الاتفاق على وقت قصير للحديث بعيداً عن المهام والشاشات، بشرط أن يكون مساحة حقيقية لا اختباراً جديداً للأداء. ماذا يشغل بال كل منكما؟ ما الذي سرّه؟ ما الذي لم يجد وقتاً لقوله؟

ثم انتبها لما يحدث بعد المحاولة. هل يوجد فضول واستعداد للتعديل؟ أم يُقابل الاحتياج بالسخرية أو الإنكار المتكرر؟ تحسن الصياغة لا يعوض غياب الاستجابة دائماً، ولا تقع مسؤولية القرب على الطرف الذي يشكو وحده.

هل يجب أن يلبي الشريك كل احتياجاتي؟

من الواقعي أن تكون للإنسان صداقات واهتمامات وعلاقات داعمة خارج الزواج. لكن وجودها لا يلغي حاجته إلى أن يشعر بأن شريكه حاضر معه. والمطلوب ليس أن يعرف الآخر كل شيء، بل أن توجد إمكانية للقاء والتفاهم واحترام الاختلاف.

إذا استمرت الوحدة، أو امتدت إلى مجالات الحياة وصاحبها فقدان اهتمام أو تغير مستمر في النوم والمزاج، يمكن أن يفيد تقييم أوسع. وتساعد المقابلة الأولية على تحديد ما إذا كان العمل الفردي أو الزوجي أنسب للسؤال المطروح. [3]

قد يبدأ القرب من أن يجد ما تعيشه مكاناً في الحديث، وأن تكتشف أن الطرف الآخر مستعد للبقاء معك فيه.

المراجع العلمية

1. Laurenceau, J.-P., Barrett, L. F., & Pietromonaco, P. R. (1998). Intimacy as an interpersonal process: The importance of self-disclosure, partner disclosure, and perceived partner responsiveness in interpersonal exchanges. Journal of Personality and Social Psychology, 74(5), 1238–1251.

2. Morgan, M. (2026, February 22). An Analyst’s ‘Couple State of Mind’ [Podcast interview, Episode 198]. IPA Off the Couch.

3. Tavistock Relationships. New to Relationship Counselling? How It Works.

للتعرف على خدماتنا الاستشارية