د. علي آل فرحان

الفتور الجنسي بين الزوجين: أسباب اختلاف الرغبة وطرق التعامل

تعرف إلى أسباب الفتور الجنسي بين الزوجين، واختلاف الرغبة والاحتياجات العاطفية، وكيف يساعد الحوار والفهم النفسي على استعادة التقارب.

الفتور الجنسي بين الزوجين: أسباب اختلاف الرغبة وطرق التعامل

قد يحب الزوج زوجته، وتحب الزوجة زوجها، ومع ذلك يجدان نفسيهما أمام مسافة متزايدة في علاقتهما الحميمة. أحدهما يبحث عن القرب الجسدي ليشعر بالحب والقبول، والآخر يحتاج إلى مساحة وطمأنينة قبل أن يشعر بالرغبة في الاقتراب.

مع مرور الوقت، قد تتحول المسألة من اختلاف طبيعي في الرغبة إلى مصدر للرفض والعتاب والقلق، وربما يبدأ كل طرف في تفسير سلوك الآخر بوصفه حكماً على قيمته أو مكانته في العلاقة.

لكن هل يعني الفتور الجنسي بين الزوجين أن الحب تراجع؟ وهل انخفاض الرغبة دليل على وجود مشكلة نفسية أو زوجية؟ أم أن ما يحدث أحياناً أعمق من ذلك، ويتعلق بالمعاني التي يحملها القرب والابتعاد لكل طرف؟

ما المقصود بالفتور الجنسي بين الزوجين؟

يُستخدم تعبير الفتور الجنسي لوصف تراجع الرغبة في العلاقة الجنسية أو اختلاف مستوى الرغبة بين الزوجين. وقد يظهر في صورة انخفاض المبادرة، أو تراجع الاهتمام بالعلاقة الحميمة، أو اختلاف توقيت الرغبة وتكرارها.

من المهم التمييز بين حالتين: انخفاض الرغبة لدى أحد الزوجين، واختلاف الرغبة بين الزوجين. فقد تكون رغبة أحدهما ضمن نطاقه المعتاد، لكن اختلافها عن رغبة الطرف الآخر يخلق شعوراً بالحرمان أو الرفض أو الضغط.

ولا يعني هذا الاختلاف وحده وجود اضطراب جنسي أو نفسي. فالتقييم يأخذ في الاعتبار طبيعة التغير، ومدى الضيق الذي يسببه، والسياق الصحي والنفسي والعلاقي لكل طرف.

ما أسباب الفتور الجنسي بين الزوجين؟

لا يوجد سبب واحد يفسر جميع حالات الفتور الجنسي. فقد تتداخل العوامل الجسدية والنفسية والعاطفية، كما قد تتأثر الرغبة بما يحدث داخل العلاقة نفسها.

1. الضغوط النفسية والإرهاق

قد تؤدي ضغوط العمل، وقلة النوم، والمسؤوليات الأسرية، والقلق المستمر إلى تراجع الاهتمام بالعلاقة الجنسية. وعندما يعيش الإنسان في حالة استنفار نفسي متواصل، فقد تصبح الراحة واستعادة الطاقة أكثر إلحاحاً من الرغبة في الحميمية.

وفي هذه الحالة، قد يفسر الشريك الابتعاد باعتباره رفضاً شخصياً، بينما يكون مرتبطاً بالإرهاق أو الضغط المتراكم.

2. الخلافات الزوجية والمشاعر غير المعبّر عنها

قد تستمر العلاقة الزوجية ظاهرياً رغم تراكم مشاعر الاستياء أو خيبة الأمل أو فقدان الثقة. وأحياناً لا تظهر هذه المشاعر في صورة خلاف مباشر، بل تتجلى في تراجع المبادرة والحنان والرغبة في الاقتراب.

فالعلاقة الحميمة لا تحدث بمعزل عن العلاقة العاطفية؛ وقد يصبح من الصعب على أحد الطرفين الشعور بالرغبة عندما يحمل في داخله غضباً لم يجد فرصة للتعبير عنه، أو ألماً لم يشعر بأن شريكه قد فهمه.

ومع ذلك، لا يصح افتراض أن كل انخفاض في الرغبة يخفي غضباً أو مشكلة زوجية. فهذه احتمالات تحتاج إلى فهم السياق، لا إلى استنتاجها من السلوك وحده.

3. العوامل الصحية والهرمونية والدوائية

قد ترتبط الرغبة الجنسية بتغيرات صحية أو هرمونية، أو بالألم أثناء العلاقة، أو ببعض الأدوية، أو بالاكتئاب والقلق واضطرابات النوم.

كما قد تتأثر الرغبة بمراحل مختلفة من الحياة، ومنها الحمل وما بعد الولادة وانقطاع الطمث، مع اختلاف التجربة من شخص إلى آخر.

لذلك، إذا ظهر انخفاض ملحوظ أو مستمر في الرغبة، أو صاحبه ألم أو تغيرات صحية أخرى، فمن المناسب طلب تقييم طبي بدلاً من افتراض أن السبب نفسي أو زوجي فقط.

لماذا يتحول اختلاف الرغبة إلى مشكلة نفسية بين الزوجين؟

لفهم ما يحدث، لا يكفي أن نسأل: كم مرة تحدث العلاقة الجنسية؟ بل ينبغي أن نفهم أيضاً ما الذي تعنيه هذه العلاقة لكل طرف.

حين تصبح الحميمية دليلاً على الحب

قد يشعر أحد الزوجين بأن مبادرة شريكه إلى العلاقة الحميمية (الجنسية) تعني أنه لا يزال مرغوباً ومحبوباً. وعندما يواجه الرفض، لا يختبره بوصفه عدم رغبة في هذه اللحظة فحسب، بل قد يفسره على أنه دليل على فقدان الجاذبية أو تراجع مكانته في حياة الطرف الآخر.

هنا يتجاوز الألم غياب العلاقة الجنسية إلى سؤال أكثر حساسية: «هل ما زلت مهماً بالنسبة إليك؟».

وقد يدفع هذا المعنى صاحبه إلى تكرار المبادرة، أو طلب الطمأنة، أو التعبير عن الاستياء. لكن إذا شعر الطرف الآخر بأن كل اقتراب يحمل توقعاً أو مطالبة، فقد يبدأ بالابتعاد حتى عن مظاهر الحنان التي كان يستمتع بها سابقاً.

حين يصبح القرب مصحوباً بالضغط

لنفترض أن الزوجة تحب احتضان زوجها، لكنها تخشى أن يتحول كل احتضان إلى توقع بحدوث علاقة جنسية. قد تبدأ عندئذ بتجنب اللمس حتى لا تدخل في موقف يصعب عليها فيه التعبير عن عدم رغبتها.

وقد يفسر الزوج هذا الابتعاد بأنه دليل على أنها لم تعد تحبه أو ترغب فيه، فيزداد قلقه ويكرر محاولات التقرب. وكلما زاد إصراره، ازدادت حاجتها إلى الابتعاد.

هكذا تتشكل دائرة متبادلة: يشعر أحد الطرفين بالرفض، فيطلب مزيداً من الطمأنة عبر القرب؛ ويشعر الآخر بالضغط، فيحاول حماية مساحته عبر الابتعاد.

هذا المثال افتراضي، ويمكن أن تتبادل الأدوار فيه بين الزوجين.

ماذا يضيف المنظور السيكودينامي إلى فهم الفتور الجنسي؟

من منظور سيكودينامي، يمكن استكشاف المعاني النفسية التي ترتبط بالقرب والرفض والرغبة، وكيف تؤثر الخبرات العاطفية السابقة في طريقة عيش العلاقة الحالية.

فقد لا يكون الرفض مؤلماً بسبب الموقف الحالي وحده، بل لأنه يلامس لدى أحد الطرفين حساسية سابقة تجاه الهجر أو عدم القبول أو الشعور بأنه غير كافٍ.

وقد لا يكون الابتعاد مجرد غياب للرغبة، بل قد يرتبط لدى شخص ما بالخوف من فقدان الاستقلالية، أو صعوبة التعبير عن الحدود، أو توقع النقد والعتاب عند عدم الاستجابة.

هذه احتمالات تفسيرية وليست استنتاجات تشخيصية. ولا يمكن معرفة معناها لدى شخص بعينه من خلال سلوك واحد، بل تحتاج إلى حوار وفهم لتاريخه العاطفي وطبيعة علاقته الحالية.

والسؤال المهم هنا ليس فقط: «لماذا لا يرغب أحد الزوجين في العلاقة؟»، بل أيضاً: «ماذا يحدث نفسياً لكل طرف عندما تختلف الرغبة بينهما؟».

قد يشعر أحدهما بالوحدة أو عدم القيمة، بينما يشعر الآخر بالضغط أو الذنب. وإذا لم يستطع الطرفان التعبير عن هذه المشاعر مباشرة، فقد تتحول إلى صراع متكرر حول العلاقة الجنسية، في حين يبقى الاحتياج العاطفي الأساسي دون معالجة.

كيف يمكن التعامل مع الفتور الجنسي بين الزوجين؟

1. التحدث عن المعنى بدلاً من تبادل الاتهامات

بدلاً من قول: «أنت لا تريدني» أو «أنت لا تفكر إلا في الجنس»، يمكن لكل طرف أن يصف تجربته الشخصية.

قد يقول أحدهما: «عندما تبتعد أشعر بالرفض، وأحتاج إلى فهم ما يحدث بيننا».

وقد يقول الآخر: «أحياناً أحتاج إلى القرب دون أن أشعر بأنني ملزم بالانتقال إلى العلاقة الجنسية».

هذا النوع من الحوار يساعد على تحويل الاتهام إلى فهم، ويتيح لكل طرف أن يعبّر عن احتياجه دون أن يلغي احتياج الآخر.

2. الفصل بين المودة والالتزام الجنسي

ليس كل احتضان دعوة إلى علاقة جنسية، وليس كل رفض للعلاقة في لحظة معينة رفضاً للشريك نفسه.

من المفيد أن يتفق الزوجان على أن اللمسات والاحتضان والحديث الهادئ يمكن أن تكون أشكالاً مكتملة من القرب، دون أن تتحول بالضرورة إلى خطوة نحو الجنس.

ولا ينبغي استخدام الشعور بالذنب أو التهديد أو العقاب العاطفي للضغط على الطرف الآخر. فالرغبة لا تُستعاد بالإكراه، والأمان النفسي يتطلب أن يستطيع كل طرف التعبير عن حدوده بحرية.

3. فهم الظروف التي تساعد الرغبة أو تعوقها

يمكن للزوجين استكشاف أثر التعب، والوقت، والخصوصية، والخلافات، والشعور بالأمان، وطبيعة التواصل العاطفي في تجربتهما.

وقد تكون الرغبة لدى بعض الأشخاص استجابية؛ أي إنها قد تنمو في سياق من القرب المرغوب والآمن، بدلاً من أن تسبق كل تواصل حميمي.

لكن هذا لا يعني أن على الشخص أن يبدأ تواصلاً لا يريده، أو أن يتحمل الألم، أو أن يواصل العلاقة على أمل أن تظهر الرغبة لاحقاً. المهم أن يكون القرب مرغوباً ومتاحاً للاختيار والتوقف.

4. عدم اختزال المشكلة في الطرف الأقل رغبة

عندما يُعامل أحد الزوجين باعتباره المشكلة لمجرد أن رغبته أقل، فقد يزداد شعوره بالذنب والضغط، وتصبح العلاقة الجنسية اختباراً مستمراً لمدى استجابته.

الأفضل أن ينظر الزوجان إلى اختلاف الرغبة بوصفه مسألة مشتركة تحتاج إلى فهم، دون أن يعني ذلك أن مسؤولية التغيير متساوية بالضرورة في جميع الحالات، أو أن أحدهما ملزم بالتنازل عن حدوده.

وقد يساعد العلاج الزوجي أو الجنسي على فهم أنماط التفاعل المتكررة، وتحسين التواصل، ومعالجة العوامل التي تعوق الحميمية.

متى تكون الاستعانة بمختص مناسبة؟

قد تكون الاستشارة النفسية أو الزوجية مفيدة عندما يستمر الخلاف حول الرغبة، أو تتكرر مشاعر الرفض والضغط، أو يصبح الحديث عن العلاقة الجنسية مصدراً للقلق والعتاب، أو يؤثر الموضوع في الرضا عن العلاقة.

أما إذا كان انخفاض الرغبة مفاجئاً أو مستمراً، أو ترافق مع ألم أو أعراض جسدية أو تغيرات دوائية، فقد تكون مراجعة الطبيب ضرورية أيضاً.

والهدف ليس الوصول إلى عدد محدد من المرات يناسب جميع الأزواج، بل فهم احتياجات الطرفين، ومعالجة ما يمكن معالجته، والوصول إلى علاقة حميمة يستطيع فيها كل طرف التعبير عن رغبته وحدوده دون خوف أو إهانة.

هل يعني الفتور الجنسي أن الحب انتهى؟

ليس بالضرورة. فقد يتراجع النشاط الجنسي لأسباب صحية أو نفسية أو ظرفية، وقد يتأثر أيضاً بما تراكم في العلاقة من مشاعر وتجارب.

لكن الحب وحده لا يحل كل صعوبة في الحميمية، كما أن اختلاف الرغبة لا يثبت غياب الحب. ما يصنع الفارق هو قدرة الزوجين على فهم ما يحدث بينهما، والتحدث عنه دون تحويل الاختلاف إلى اتهام أو ضغط.

فحين تصبح كل مبادرة اختباراً للحب، وكل محاولة للابتعاد دليلاً على الرفض، يفقد القرب شيئاً من حريته. وعندما يستطيع الطرفان الحديث عن احتياجاتهما ومخاوفهما بوضوح، يصبح من الممكن أن يستعيدا مساحة من الأمان والاختيار.

أحياناً، لا يحتاج الزوجان إلى مزيد من المحاولات للاقتراب بقدر ما يحتاجان إلى فهم ما جعل الاقتراب صعباً بينهما.

للتعرف إلى خيارات الاستشارات النفسية والزوجية، يمكن زيارة صفحة الخدمات الاستشارية.

المراجع العلمية

  • Dewitte, M., Carvalho, J., Corona, G., Limoncin, E., Pascoal, P., Reisman, Y., & Štulhofer, A. (2020). Sexual desire discrepancy: A position statement of the European Society for Sexual Medicine. Sexual Medicine, 8(2), 121–131. https://doi.org/10.1016/j.esxm.2020.02.008
  • Vowels, L. M., & Mark, K. P. (2020). Strategies for mitigating sexual desire discrepancy in relationships. Archives of Sexual Behavior, 49(3), 1017–1028. https://doi.org/10.1007/s10508-020-01640-y