الاضطرابات الانفصالية: حين تشعر أنك بعيد عن نفسك

د. علي آل فرحان
استشاري علم النفس والعلاج النفسي - أستاذ علم النفس المشارك

قد تجلس وسط أشخاص تعرفهم، وتسمع الحديث وتشارك فيه، لكنك تشعر بأن بينك وبين المكان حاجزاً. وربما تنظر إلى يديك وتعرف أنهما يداك، ومع ذلك يبدو الإحساس بهما غريباً. يصعب أحياناً وصف الخبرة: "أنا موجود، لكنني لا أشعر أنني هنا بالكامل."

تستحق هذه التجربة الإصغاء والتقييم. وتسميتها بدقة تحتاج إلى معرفة ما يحدث ومدته وظروفه؛ فالإحساس بالانفصال قد يظهر في حالات مختلفة، ولا يثبت وحده اضطراباً انفصالياً.

ما المقصود بالانفصال النفسي؟

يشير الانفصال إلى اضطراب في الترابط المعتاد بين جوانب الخبرة، مثل الذاكرة والوعي والهوية والإحساس بالذات والمحيط. ومن الاضطرابات الانفصالية تبدد الشخصية/الواقع، وفقدان الذاكرة الانفصالي، واضطراب الهوية الانفصالية. تختلف هذه الحالات، ولا تمثل درجات متتالية لا بد أن ينتقل بينها الشخص. [1]

الشرود العابر أو نسيان تفاصيل طريق مألوف لا يكفي للتشخيص. يُنظر إلى تكرر الخبرة وشدتها وتأثيرها، مع استبعاد أسباب أخرى. وفي تبدد الشخصية/الواقع يحتفظ الشخص باختبار الواقع: يشعر أن العالم غريب أو غير حقيقي، مع معرفته أنه حقيقي. [1، 2]

كيف قد تظهر هذه الخبرات؟

  • تبدد الشخصية: شعور بالابتعاد عن الجسد أو المشاعر أو مراقبة النفس من الخارج.
  • تبدد الواقع: شعور بغرابة المحيط أو أنه يشبه الحلم.
  • فقدان الذاكرة الانفصالي: فجوات في معلومات شخصية مهمة تتجاوز النسيان المعتاد.
  • اضطراب الهوية الانفصالية: اضطراب في استمرارية الهوية والإحساس بالفاعلية، مع فجوات ذاكرة متكررة. وهو لا يعني مجرد تغير المزاج أو اختلاف سلوكنا بين العمل والمنزل. [1، 2]

مثال: أعرف المكان، لكنني لا أشعر بقربه

المشاهد التالية افتراضية وليست حالات مراجعين أو أدلة على تشخيص معين.

بعد أسابيع من ضغط العمل وقلة النوم، تدخل "سلمى" اجتماعاً وتشعر بأن أصوات الحاضرين بعيدة. تعرف أين هي ومن حولها، لكنها تفزع: "لماذا يبدو كل شيء غريباً؟" تقضي الاجتماع تراقب إحساسها وتختبر إن كانت قد عادت إلى طبيعتها.

يمكن البدء بوصف ما حدث، ومراجعة النوم والقلق والأدوية والمواد والتاريخ الصحي. لا نستنتج من هذا المشهد صدمة طفولة أو اضطراب هوية. وقد تظهر خبرات مشابهة مع الهلع أو حالات طبية، مما يجعل التقييم قبل التفسير ضرورياً. [2]

كيف نفهمه سيكودينامياً؟

يمكن استكشاف ما إذا كان الابتعاد عن بعض المشاعر يحدث حين تصبح صعبة الاحتمال. يتناول المرجع السريري لتبدد الشخصية/الواقع دور العمل السيكودينامي على المشاعر والصراعات والخبرات التي يصعب استيعابها. هذه إمكانية للفهم والعمل مع بعض الحالات، وليست سبباً مؤكداً لكل عرض انفصالي. [2]

تخيل "عمر" الذي يروي موقف إهانة بتفاصيل دقيقة، ثم يقول: "أعرف أنه مؤلم، لكنني لا أشعر بشيء." يمكن أن يسأله المعالج عما يلاحظه الآن، وهل يستطيع البقاء مع قدر صغير من الشعور دون أن يغيب عن الحوار.

قد يكون غياب الانفعال مرتبطاً بالانفصال، وقد يفسَّر بالإرهاق أو الاكتئاب أو أسباب أخرى. لا تتحول الملاحظة إلى استنتاج جاهز. في هذا المثال، الاهتمام منصب على قدرة عمر على الاقتراب من تجربته والبقاء حاضراً، لا إجباره على البكاء أو على تقديم قصة تفسر كل شيء.

ما علاقته بالصدمة والذاكرة؟

ترتبط اضطرابات انفصالية بخبرات صادمة لدى كثير من المصابين، لكن العرض لا يثبت وقوع حدث معين. لا يُستدل من الإحساس بالغرابة أو فجوة الذاكرة وحدهما على إساءة منسية. [1، 3]

وتؤكد الإرشادات المتخصصة أهمية التعامل المتزن مع روايات الذاكرة، وتجنب الإيحاء أو فرض تفسير على الشخص. الذاكرة ليست تسجيلاً فوتوغرافياً، وشدة الإحساس لا تكفي وحدها لإثبات دقة تفاصيل حدث. يمكن العمل على المعاناة الحالية مع إبقاء ما لا نعرفه مفتوحاً. [3]

كيف يبدأ التقييم والعلاج؟

يشمل التقييم وصف الأعراض ومسارها وأثرها في السلامة والعمل، والتاريخ الصحي والنفسي. وقد يلزم فحص طبي لاستبعاد أسباب مثل النوبات العصبية أو أثر المواد والأدوية. فقدان الوعي أو الارتباك المفاجئ أو أعراض عصبية جديدة يحتاج تقييماً طبياً عاجلاً. [2]

توصي إرشادات متخصصة لاضطراب الهوية الانفصالية والحالات المشابهة بعلاج يراعي مراحل الأمان والاستقرار، ثم معالجة الخبرات الصعبة بحسب القدرة، ثم تحسين التكامل والعيش اليومي. هذه إرشادات خاصة بتلك الحالات، وليست خطة تُفرض على كل من يشعر بتبدد الواقع. [3]

قد يبدأ العمل بملاحظة علامات الابتعاد، وتنظيم وتيرة الجلسة، والاستعانة بما يعيد الاتصال بالحاضر. ويُبحث في العلاقة العلاجية ما يساعد على الأمان وما يثير الخوف، دون تحويل كل انقطاع إلى "مقاومة" متعمدة. وتُعالج المشكلات المصاحبة بحسب التقييم.

ماذا نعرف عن الأدلة؟

راجعت دراسة منهجية عام 2025 أبحاث العلاج لدى بالغين يعانون اضطراب الهوية الانفصالية واضطرابات انفصالية قريبة منه. عرضت نتائج مشجعة، مع حاجة إلى دراسات مضبوطة أقوى. لا تكفي هذه النتائج لإعلان تفوق نهج واحد أو تعميمها على جميع الاضطرابات الانفصالية. [4]

كيف يبدو التحسن؟

قد يتمثل في ملاحظة بداية الانفصال مبكراً، أو العودة إلى الحاضر بسهولة أكبر، أو تقليل الفجوات التي تعطل اليوم، أو القدرة على تسمية شعور دون أن يصبح طاغياً. تُختار الأهداف بحسب الحالة، ولا يُقاس النجاح باسترجاع ذكرى أو مطابقة تفسير نظري.

قد يكون التقدم أن تصبح أقرب إلى تجربتك، بالقدر الذي تستطيع احتماله، وأن تستعيد شعورك بالاستمرار والاختيار في يومك.

إذا تكررت الخبرات أو أثرت في سلامتك أو حياتك، اطلب تقييماً متخصصاً. عند خطر إيذاء النفس أو فقدان القدرة على الحفاظ على السلامة، اطلب مساعدة عاجلة. هذا المحتوى للتثقيف ولا يشخّص حالتك.

المراجع العلمية

  1. American Psychiatric Association. What Are Dissociative Disorders? المصدر
  2. MSD Manual Professional Edition. Depersonalization/Derealization Disorder. Clinical reference. المصدر
  3. International Society for the Study of Trauma and Dissociation. (2011). Guidelines for Treating Dissociative Identity Disorder in Adults, Third Revision. Journal of Trauma & Dissociation, 12(2), 115–187. doi:10.1080/15299732.2011.537247. Specialist consensus guidance. المصدر
  4. Griffiths, T. A., Dimitrova, L. I., Linington, M., Terhune, D. B., & Reinders, A. A. T. S. (2025). Effectiveness of phase-oriented treatment for trauma-related dissociative disorders: a systematic review. European Journal of Psychotraumatology. doi:10.1080/20008066.2025.2545734. المصدر