المكتبة النفسية · الطفولة والعلاقات

كيف تكبر معنا جروح الطفولة وتظهر في علاقاتنا؟

بقلم د. علي عبدالله آل فرحان · 19 سبتمبر 2026 · قراءة نحو 7 دقائق

قد يتأخر شخص تحبه في الرد على رسالتك، فتشعر بأن مكانتك لديه تهتز. وقد يطلب منك مديرك تعديلاً بسيطاً، فتقضي المساء في محاكمة نفسك. وربما تتمنى علاقة قريبة، ثم تضيق حين يقترب منك أحد بالفعل.

تبدو هذه المواقف صغيرة من الخارج، لكن التجربة الداخلية قد تكون ثقيلة: خوف، أو خجل، أو غضب يصعب تهدئته. وفهمها يحتاج إلى الإصغاء لما حدث الآن، وإلى المعنى الذي اكتسبه هذا الحدث في تاريخ صاحبه.

الأمثلة التالية مشاهد افتراضية واقعية صيغت للتوضيح، وليست قصص مراجعين بعينهم أو حالات منشورة.

نستخدم تعبير «جروح الطفولة» لوصف خبرات مبكرة تركت ألماً وأثراً مستمراً. وهو تعبير وصفي واسع، وليس تشخيصاً نفسياً؛ فالتعرض للعنف أو الإهمال المزمن يختلف عن خلاف عابر أو إحباط يحدث في أسرة تستجيب عادة لاحتياجات طفلها. وكذلك لا تعني الخبرات المؤذية أن صاحبها سيصاب حتماً باضطراب، فالنتائج تتأثر بعوامل عديدة، منها العلاقات الآمنة والدعم المتاح لاحقاً. مراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها.

في الفهم السيكودينامي، نهتم بكيفية استمرار الخبرة في طريقة الشخص في الشعور والتعامل، حتى حين لا يفكر في طفولته. فقد يتعلم الطفل الذي يعيش وسط غضب غير متوقع أن يراقب الوجوه والنبرات بدقة، أو أن يخفي احتياجه كي يتجنب الإهانة. كانت لهذه الاستجابات وظيفة تحميه في بيئته؛ وقد تصبح مرهقة حين تستمر بالصرامة نفسها في علاقات أكثر أماناً. وتصف المراجع المتخصصة في صدمات الطفولة هذا الانتقال من التكيف مع الخطر إلى صعوبات لاحقة في الثقة وتنظيم المشاعر. الشبكة الوطنية الأمريكية لصدمات الأطفال.

تخيل معي «سارة»، التي اعتاد والدها أن يقاطعها أياماً عندما يعترض على تصرف منها. كانت تحاول استعادة الحديث معه بالاعتذار، حتى عندما لا تفهم ما فعلته. في الثلاثين، يتأخر زوجها في الرد أثناء اجتماع. تنظر إلى الهاتف مرة بعد أخرى، ثم ترسل: «واضح أنني لا أعني لك شيئاً».

في هذا المثال، يمكن أن يحمل التأخر معنى يتجاوز وقائعه: انقطاع التواصل يوحي لسارة بأن العلاقة مهددة. تحاول الاقتراب بالعتاب، لكنه يسمع اتهاماً فينسحب، فيزداد خوفها. هكذا يمكن أن تتشكل دائرة مؤلمة بين شخصين، لكل منهما مشاعره واستجاباته.

هذه قراءة محتملة تحتاج إلى التحقق من تاريخ سارة وعلاقتها الحالية. فقد يكون زوجها بالفعل كثير التجاهل أو يستخدم الصمت لمعاقبتها. لذلك يظل السؤال عن سلوكه الفعلي ضرورياً؛ فاستحضار الماضي لا يبرر إساءة الحاضر.

يساعدنا هنا مفهوم «التوقعات الداخلية للعلاقة»: ما أتوقعه من الآخر، وما أتوقع أن يحدث لي إذا احتجت إليه أو اختلفت معه. وقد تظهر هذه التوقعات في علاقات متعددة، وهو أحد الموضوعات التي يركز عليها العلاج السيكودينامي عند استكشاف الأنماط المتكررة. شيدلر، 2010.

وتضيف أعمال المحلل النفسي بيتر فوناغي وزملائه أهمية القدرة على فهم السلوك في ضوء المشاعر والنوايا، مع الاعتراف بأننا لا نعرف ذهن الآخر معرفة كاملة. عند اشتداد الخوف في العلاقة قد تضيق مساحة الاحتمالات، فيبدو تفسير واحد يقينياً: «تأخر لأنه لا يحبني». استعادة التفكير تسمح بسؤال أوسع: «أنا خائفة الآن؛ ما الذي أعرفه عن الموقف، وما الذي أفترضه؟». نستعير هنا مفهوماً تفسيرياً من نموذجهم، دون أن يدل هذا المثال على اضطراب بعينه. فوناغي وزملاؤه، 2017.

ولننتقل إلى «خالد»، الموظف المجتهد الذي يسمع من مديره: «التقرير جيد، ويحتاج هذا الجزء إلى توضيح». يبتسم ويعود إلى مكتبه، لكنه يشعر بأنه انكشف: «سيعرفون قريباً أنني أقل مما يظنون». يسهر لإعادة التقرير كله، ويستعصي عليه الشعور بالرضا حتى بعد قبول العمل.

في طفولة خالد المفترضة، كان التفوق يجلب التقارب، أما الخطأ فيستدعي المقارنة والإذلال. يمكن أن نفهم سعيه الشديد إلى الكمال بوصفه محاولة لحماية مكانته: إذا كان أدائي بلا نقص، فقد أبقى مقبولاً. يحمل الاجتهاد هنا قيمة حقيقية، لكنه يتحمل أيضاً عبئاً إضافياً؛ عليه أن يطمئن صاحبه إلى استحقاقه كل مرة.

وقد يبدو لوم الذات، بالنسبة إلى طفل يعتمد على الكبار، تفسيراً أقل إخافة من الاعتراف بأنه يتلقى معاملة مؤذية ممن يحتاج إليهم. فهذا التفسير يترك أملاً بأن تغيير نفسه سيغير المعاملة. وهو احتمال تصفه أدبيات صدمات الطفولة، ولا يصح افتراضه لدى كل شخص شديد النقد لذاته. الشبكة الوطنية الأمريكية لصدمات الأطفال.

أما «ماجد» فهو الشخص الذي يلجأ إليه الجميع. يحسن الإصغاء والمساعدة، لكنه حين يمر بأزمة يختفي. تقول له زوجته: «دعني أقف معك»، فيجيب سريعاً: «لا أحتاج شيئاً». ثم يشعر بالوحدة وبأن أحداً لا يدرك تعبه.

لنتخيل أن طلب المساعدة في طفولته كان يقابل بالسخرية، أو يستخدم لاحقاً لتذكيره بعجزه. عندئذ قد يصبح الاعتماد على الآخر محملاً بالخجل. يريد القرب، ويخشى ما قد يكلفه القرب من انكشاف أو خذلان.

هذه المفارقة مهمة في التفكير التحليلي: قد توجد رغبتان متعارضتان في الوقت نفسه، مثل الرغبة في الرعاية والرغبة في الاستغناء عنها اتقاءً للألم. وتناقش نانسي ماكويليامز كيف يمكن لإنكار الاحتياج أن يحمي بعض الأشخاص من إحساس مهين بالتبعية. وفهم المعنى الخاص لهذا الدفاع يحتاج إلى معرفة الشخص، لأن الاستقلال الظاهر قد ينشأ من دوافع مختلفة جداً. ماكويليامز، 2011.

و«الدفاع» هنا اسم لوظيفة نفسية تخفف مشاعر يصعب احتمالها، وقد تعمل دون وعي واضح. تصبح موضع اهتمام علاجي عندما تتصلب وتضيق معها خيارات الشخص. ففي مثال ماجد، قد تحميه المسافة من الخجل، وتحرمه في الوقت نفسه من المساندة التي يتمناها.

هذه المشاهد توضح صيغاً ممكنة للفهم، ولا تثبت أن طفولة معينة تنتج حتماً سلوكاً معيناً. وعلى مستوى البحث، وجد تحليل تلوي (Meta-analysis) شمل 215 دراسة ارتباطاً بين خبرات الطفولة المؤذية وصعوبات تنظيم الانفعالات، ومنها الاجترار وكبت التعبير الانفعالي. وفسّرت هذه الصعوبات إحصائياً جزءاً من العلاقة بين تلك الخبرات والأعراض النفسية. لكن الارتباط والوساطة الإحصائية لا يكفيان لإثبات مسار سببي لدى فرد بعينه. Miu وزملاؤه، 2022.

وهنا تتضح حدود التفسير: التشابه مع سارة أو خالد أو ماجد لا يكشف وحده تاريخ الإنسان النفسي، وقد تسهم ضغوط العمل، والخبرات اللاحقة، وطبيعة العلاقة الحالية، والظروف الاجتماعية في تشكيل ما يعيشه. لذلك، تركز ماكويليامز على فهم الشخصية في سياقها، وتنبه إلى أن السلوك المتشابه ظاهرياً قد يحمل معاني نفسية مختلفة. ماكويليامز، 2011.

فكيف يمكن أن يساعد العلاج؟

يبدأ العمل بفهم موقف محدد: ماذا حدث؟ ما الشعور الذي ظهر؟ ماذا توقعت من الآخر؟ وكيف استجبت؟ ثم يتتبع المعالج مع الشخص ما يتكرر، وما تحميه استجابته، وما تكلفه. وقد تظهر التوقعات نفسها داخل العلاقة العلاجية؛ كأن يتوقع الشخص السخرية إذا أقر باحتياجه، أو الرفض إذا اختلف. يتيح تناول ذلك بعناية فرصة لفهمه وتجربة استجابة أوسع. ويصف شيدلر هذا الاهتمام بالمشاعر والدفاعات والأنماط المتكررة والعلاقة العلاجية ضمن السمات الأساسية للعمل السيكودينامي. شيدلر، 2010.

في مثال سارة، يمكن تصور التغير في قدرتها على تسمية خوفها وطلب الاطمئنان بوضوح، مع تقييم استجابة شريكها. ولدى خالد، في تحمّل ملاحظة مهنية دون تحويلها إلى إدانة لذاته. ولدى ماجد، في تجربة طلب مساعدة محددة وملاحظة ما يحدث، بدلاً من حسم النتيجة مسبقاً.

هذه صور توضيحية لأهداف محتملة، وليست نتائج مضمونة أو خطة علاج واحدة للجميع. ويظل التفسير قابلاً للمراجعة؛ فلا يحتاج القارئ إلى افتراض صدمة منسية لمجرد أنه وجد نفسه في أحد الأمثلة.

قد يحمل فهم الطفولة حزناً على ما افتقدناه، وغضباً مما آذانا، وتقديراً لما حاولنا فعله كي نستمر. ومع اتساع هذا الفهم، يمكن أن تتسع مساحة الاختيار أيضاً: أن تطلب وأنت تحتفظ بكرامتك، وأن تختلف وأنت تشعر باستمرار العلاقة، وأن تسمح لشخص موثوق بالاقتراب بالقدر الذي تختاره.

المراجع العلمية والتحليلية

  • McWilliams, N. (2011). Psychoanalytic Diagnosis: Understanding Personality Structure in the Clinical Process (2nd ed.). Guilford Press. الكتاب.
  • Fonagy, P., Luyten, P., Allison, E., & Campbell, C. (2017). What we have changed our minds about: Part 2. Borderline personality disorder, epistemic trust and the developmental significance of social communication. Borderline Personality Disorder and Emotion Dysregulation, 4, 9. النص الكامل.
  • Shedler, J. (2010). The efficacy of psychodynamic psychotherapy. American Psychologist, 65(2), 98–109. المقال.
  • Miu, A. C., et al. (2022). Emotion regulation as mediator between childhood adversity and psychopathology: A meta-analysis. Clinical Psychology Review, 93, 102141. النص الكامل.
  • National Child Traumatic Stress Network. Effects of Complex Trauma. المصدر.
  • Centers for Disease Control and Prevention. (2026). About Adverse Childhood Experiences. المصدر.

تعرّف إلى العلاج النفسي الدينامي · تعرّف على خدماتنا الاستشارية