لماذا نكرر العلاقات المؤلمة؟ قراءة في التكرار القهري
لماذا نكرر العلاقات المؤلمة؟ قراءة في التكرار القهري، وكيف تجعل الخبرات القديمة بعض أنماط القرب مألوفةً رغم ما تسببه من ألم.

لماذا نكتشف أحياناً أننا ندخل العلاقة نفسها… مع شخصٍ مختلف؟
نقول بعد تجربة مؤلمة:
«المرة القادمة لن أختار شخصاً بهذه الصفات».
ثم تمر السنوات، ويتغيّر الاسم والوجه والتفاصيل… لكننا نجد أنفسنا أمام الشعور نفسه: انتظار، غموض، خذلان، محاولة إثبات القيمة، أو السعي خلف شخص يصعب الوصول إليه.
لماذا نكرر ما يؤذينا؟
يمكن فهم ذلك من خلال مفهوم التكرار القهري (Repetition Compulsion)، الذي طرحه سيغموند فرويد (Sigmund Freud) لوصف ميل الإنسان إلى إعادة إنتاج خبرات وصراعات قديمة، حتى عندما تكون مؤلمة.
الفكرة ليست أننا «نحب الألم» أو نختار المعاناة بوعي.
الأقرب أن النفس تميل أحياناً إلى إعادة بناء موقف قديم لم يُحسم داخلياً، ولكن هذه المرة مع أمل خفي بأن تنتهي القصة بصورة مختلفة.
يُعرض التكرار القهري هنا بوصفه مفهوماً سيكودينامياً قد يساعد على فهم بعض الأنماط المتكررة، وليس تفسيراً وحيداً لها. فقد تتداخل أيضاً أنماط التعلق، والخبرات المتعلَّمة، والظروف الحالية، وطبيعة العلاقة وسلوك الطرف الآخر.
المألوف لا يعني المريح
فمن عاش مبكراً مع شخص مهم يصعب الحصول على قربه، قد يجد نفسه لاحقاً منجذباً بصورة غير واعية إلى علاقات يكون فيها القرب أيضاً غير مضمون.
ليس لأن هذا النوع هو الأفضل له بالضرورة، بل لأن هذا الشكل من العلاقة مألوف نفسياً.
والمألوف لا يعني المريح.
قد يكون مؤلماً جداً، لكنه معروف للنفس: تعرف كيف تنتظر داخله، وكيف تقلق، وكيف تحاول كسب القرب.
حين يجد الصراع القديم مسرحاً جديداً
لا تقتصر هذه الآلية على العلاقات العاطفية.
قد يترك شخص مديراً شديد النقد لأنه أتعبه سنوات، ثم ينتقل إلى وظيفة جديدة، وبعد مدة يجد نفسه شديد التعلق برأي مدير آخر يصعب إرضاؤه، ويحاول مرةً أخرى أن يثبت له أنه «كافٍ».
السياق تغيّر، لكن الصراع القديم وجد مسرحاً جديداً.
أحياناً لا نعود إلى الماضي بذاكرتنا… بل نعيد بناءه أمامنا بأشخاص جدد.
من التكرار إلى الاختيار
يبدأ التغيير بملاحظة النمط من دون لوم الذات: ما الذي يتكرر؟ وما الشعور الذي يعود في كل مرة؟ وما الذي يبدو مألوفاً رغم أنه لا يمنح الأمان؟
لا يكفي فهم النمط وحده دائماً لتغييره، لكنه قد يفتح مساحةً بين الانجذاب والاستجابة. ويمكن للعلاج النفسي أن يساعد على فهم المعاني التي يحملها القرب والرفض والانتظار، والتمييز تدريجياً بين ما هو مألوف وما هو آمن ومناسب في الحاضر.
للقراءة النظرية حول المفهوم: التكرار في كتابات فرويد والتحليل النفسي.
د. علي آل فرحان · تحديث تحريري: 17 سبتمبر 2026
إذا وجدت نفسك داخل نمط مؤلم يتكرر في علاقاتك، يمكنك مناقشة ما تمر به وتقييم احتياجاتك والخيارات المناسبة.