كيف يمنح التعاطف الألم شرعيته النفسية؟
كيف يمنح التعاطف الألم شرعية نفسية، ويساعد الإنسان على تصديق مشاعره وفهم تجربته بعيداً عن اللوم والإنكار والتقليل من الذات

من أعمق لحظات المواساة أن يرى الإنسان أثر قصته في وجه من يسمعه. ليست المواساة دائماً في الجملة التي تُقال، ولا في النصيحة التي تُقدّم، بل أحياناً في الصمت، في الدهشة، في تغيّر الملامح، أو في الحزن الذي يظهر على وجه الآخر عندما يسمع حجم ما مرّ به الشخص.
في تلك اللحظة يشعر الإنسان أن تجربته خرجت من عزلتها الداخلية. كأن الألم الذي كان يحمله وحده وجد شاهداً خارجياً يعترف به. وهذا الاعتراف يمنح التجربة نوعاً من الشرعية النفسية: نعم، ما حدث كان مؤلماً. نعم، لم تكن تبالغ. نعم، كان طبيعياً أن تتأثر بهذا العمق.
حين يشك الإنسان في مشاعره
كثير من الناس لا يعانون فقط من الألم، بل يعانون من الشك في ألمهم. يتساءلون: هل كنت حساساً أكثر من اللازم؟ هل كان يجب أن أتحمل؟ هل حزني مبرر؟ هل رد فعلي مبالغ فيه؟ هذا الشك لا يولد من الحدث وحده، بل غالباً من تاريخ طويل من التقليل، أو عدم التصديق، أو غياب من يلتقط التجربة الانفعالية كما هي.
من منظور سيكوديناميكي، يعمل رد فعل الآخر كمرآة انفعالية. فالإنسان يرى في وجه الآخر ما لم يستطع أن يصدقه داخل نفسه. حين يتأثر الآخر بصدق، لا يكون ذلك مجرد تعاطف، بل يصبح شكلاً من الشهادة النفسية. الشاهد هنا لا يغيّر الماضي، لكنه يغيّر علاقة الشخص بماضيه. لا يمحو ما حدث، لكنه يساعد الذات على أن تكفّ عن محاكمة نفسها لأنها تألمت.
التصديق الانفعالي وحدوده
وهنا يظهر المعنى الأعمق للتصديق الانفعالي. ليس أن نقول للشخص إن كل ما يشعر به صحيح بشكل مطلق، ولا أن نثبّته في موقع الضحية، بل أن نعترف بأن شعوره مفهوم في ضوء ما عاشه. أن نقول له ضمنياً: ألمك له سبب، وحزنك له سياق، وطريقتك في الانهيار أو الدفاع أو الصمت كانت محاولة نفسية للتعامل مع شيء لم يكن سهلاً.
أحياناً لا يكون أثر التعاطف في أنه يخفف الألم مباشرة، بل في أنه يخفف محاكمة الإنسان لنفسه لأنه تألم. فقد يظل الشخص يسأل نفسه: لماذا لم أتحمّل أكثر؟ لماذا تأثرت بهذا العمق؟ هل كنت أبالغ؟ ثم تأتي لحظة يرى فيها ردة فعل شخص يسمع قصته بصدق، فيدرك أن المشكلة لم تكن في ضعفه، بل في ثقل ما كان يحاول احتماله.
أحياناً يحتاج الإنسان إلى هذا الاعتراف قبل أن يستطيع التحرك. قد يصعب على بعض الأشخاص فهم تجربتهم حين تتكرر خبرة عدم التصديق، مع اختلاف احتياجات الناس ومصادر الدعم المتاحة لهم. والجرح الذي لم يُشهد عليه يبقى معلقاً بين الإنكار والذنب والارتباك. أما حين يجد الشخص من يرى ألمه دون تهويل ودون تقليل، يبدأ داخله تحول هادئ: لم أكن ضعيفاً، كنت فقط أحاول النجاة!
لم أكن أبالغ، كنت أتعامل مع ما يفوق قدرتي في ذلك الوقت.
من الاعتراف بالألم إلى القدرة على التعامل معه
لهذا، فإن التعاطف العميق لا يواسي فقط، بل يعيد ترتيب العلاقة بين الإنسان وتجربته. يمنح الحزن حقه دون أن يجعله هوية دائمة. ويمنح الألم اسمه دون أن يحبس الشخص داخله. في أفضل صوره، يصبح التعاطف مساحة يعترف فيها الإنسان بما حدث له، ثم يستعيد تدريجياً قدرته على الفهم، والاحتمال، والحركة.
ربما لا ننتبه دائماً إلى أثر ملامحنا ونحن نصغي، لكن وجهاً صادقاً قد يكون أحياناً أول مكان يشعر فيه الإنسان أن ألمه أصبح مفهوماً. وأحياناً، لا يبدأ الشفاء من تفسير كبير، بل من لحظة بسيطة يرى فيها الشخص في عين الآخر رسالة صامتة: ما مررت به كان قاسياً فعلاً، ومن حقك أن تكون قد تألمت.
يُعرض هذا المعنى بوصفه قراءة سيكودينامية للتعاطف. الاعتراف بأن الشعور مفهوم لا يعني أن كل تفسير للموقف دقيق، أو أن كل سلوك ناتج عن الألم مقبول. كما أن تأثر المستمع أو ملامحه ليسا المقياس الوحيد لصدقه أو لفاعلية المساعدة.
د. علي آل فرحان · تحديث تحريري: 9 سبتمبر 2026
يمكنك الاطلاع على تفاصيل الجلسات والأسعار أو اختيار موعد لمناقشة احتياجاتك.